بيان الحال, فيما يفترض المنطق, هو المهمة الاولى للاعلام, إذ الإعلام إخبار في المقام الاول. ويفترض أن يكون إخباراً بحقيقة ما هنالك. فهل يطمح طامح اليوم الى أن شيئاً مما ينثال عليه, ليل نهار, من اخبار, يمكن أن يعكس حقيقة ما يجري, أو في اقل تقدير أن يتضمن بعضاً من ذلك؟
ندور بين مئات الفضائيات (ولا سيما الاخبارية التي تديرها قهرمانات متأنقات يتقن مضغ الكلام) فنرى للفاجعة الواحدة, مما يعق في بغداد أو تعز أو حلب أو غيرها من المدائن العربية, وجوهاً مختلفة وشروحاً متباينة ودلالات متخارجة. ويدهشنا أن تتوالى علينا هذه الانباء الموجعة وما يصاحبها من صور الدمار والمذابح الجماعية بأعلى مستوى من الاناقة واللياقة والقدود المائسة والأعين الناعسة, يذكرنا بالمثل الشعبي الذي يقول لمن يتظارف في وصف فوادح الامور إنه «يرش على الموت سكراً», ويجعلنا نتساءل عن اسباب تكثّر هذه الفضائيات التي تتفوق على دور الازياء الباريسية اثناء تغطية المآسي العربية, وعن مبلغ من يمولونها من «العرب الاقحاح» من الاحساس بالمفارقة بين شكل ومضمون, وبين ما هو كائن في هذه الفضائيات وما ينبغي أن يكون, وبين عمق الجراح الرغيبة (الواسعة) في ارجاء مشرقنا العربي الاسلامي وبين سطحية الثرثرة التي يقتل بها طواقم هذه الفضائيات أوقاتهم وأوقاتنا, وكل اولئك على نهج واحد واساليب متشاكلة, كأنما تهبّ بهم ريح عقيم واحدة تريد لتعصف بعقولنا وتزوّر وعينا وتصرفنا جملة عما يراد بنا. أو كأنما هم يأتمرون بأمر خبير واحد ممن يعلمون كيف يزدرع الذهول في العقول, وكيف تساق الشعوب الى مصارعها تحت مظلة من الفضائيات التي تمطر لغواً وتضليلاً, أو التي «ترش على الموت سكراً» كما تقول لغتنا الشعبية التي تنكر «لغو الكلام وصبغ الحواجيب»..
إن قدراً قليلاً من الانتباه كافٍ لادراك أننا صرعى خدعة إعلامية كبرى. لم تأت اتفاقاً, ولا نجمت من الفضاء. وهي لعبة قد تغرق بعضنا في بحر من العسل. وهم الاغبياء منا. لكنها لا تنطلي على اهل الفراسة والاذكياء, وذلكم هو معقد الرجاء.