تشبه بعض بُنى الاعتقادات البُنى الرياضية المحتملة التي مبدؤها الافتراض. فاذا افترضنا مثلاً ان س=2ص وأن ص=3أ فان باستطاعتنا، انطلاقا من ذلك الخلوص إلى نتائج قوائم غرضنا من الافتراض، وكذلك هو الأمر اذا ما اراد غيرنا البدء على نحو مختلف أو تقديرات مباينة.
من اجل ذلك كان اختلاف المسلّمات بين اصحاب العقائد أو اختلاف الافتراضات الاولية هو السبب الرئيس لاختلاف انساقها العليا ومنظومات القيم وألوان السلوك التي تميز جماعة أو طائفة منهم عن أخرى.
ولو امكن النظر المدقق في الوحدات الأولية للبنى الاعتقادية وحُرّرت بما هي معانٍ واضحة أو حدود لا مجال للإلتباس فيها أو للإغماض في مدلولاتها، لأمكن الخلوص إلى منطق عام للإعتقاد، وهو منطق يمكن لعلم الكلام أو لللاهوت تحقيق جوانب منه على نحو ما كان من الأشاعرة والمعتزلة والماتريديّة في الاسلام وما كان من توماس الاكويني وعمانوئيل كانت وهيجل وغيرهم من المسيحيّة الغربيّة.
ان مبحث «الحدّ» هو اول النظر في البنى الاعتقادية، سواء اتعلق ذلك باعتقادات دينية أو باعتقادات وضعية، والحدود بقدر ما هي منطلقات للوعي فهي صوى وعلائم هادية له.
والفرق بين الفلسفة والايديولوجيا، في نظر المتأمل، ان الاولى حريصة على تبين الحدود، وجلاء التعريفات، على حين تتنكب الثانية ذلك، وتهوّل على العقول دونه.
واذا كانت الفلسفة – كما يقول الفرنسي جيل ديلوز في كتابه القيم «ما هي الفلسفة»؟ هي إبداع المفاهيم بما يتطلبه ذلك من تحديد مدلولاتها، فان الايديولوجيا هي ليُّ المفاهيم وتحيُّفها بألوان التحكمات واكتنافها بالغموض، فاذا ما اسقط الواقع الايديولوجيا رأيت ما اجترحوه من ذلك مجرد هباء منثور أو زبد متطاير من أفواه الذاهلين..
إن علينا ان نستوقف الغُلاة من كل فئة من أصحاب الاعتقادات لنستنبئهم عن الحدود أو اللبنات الأولى في أطاريحهم أو عن ما يقابل عندهم الافتراضات الرياضية التي بدأ حديثنا بها.
فان كان ثمة يقين لهم بها أو معرفة محققة، صار الحوار معهم حول بنية الاعتقاد ممكناً، وصار مفيداً مثمراً، نغنى به، وتتسع آفاقنا، وتتراحب أنفسنا.
وإن كان الأمر بخلاف ذلك فان خير ما يُتَمَثّلُ به إزاء هؤلاء قوله تعالى «وأعرض عن الجاهلين» ولكن، بعد أن نبيّن للناس ما هم عليه من جهالة، وما هم فيه من ضلال مبين.