في مجموعة الشاعر الفلسطيني جمعة الرفاعي «جهة ناقصة»، تحمل تلك الجهات الثلاث المعلن عنها كأبوابٍ ثلاثة تنتظمُ القصائدَ، دلالةَ الحضور على الجهة الناقصة، فيحضر الماء والتراب والهواء وتغيب الجهة الرابعة، مع أنها لم تغب الغياب المطلق، لكنه غياب الاحتياج والاحتجاج معاً.
هنا تقف القصائد شواهد لمعان أثقلت قلب الشاعر وحسه وجعلته مثقلاً بالوقت كما لم يثقل شاعر من قبل، مشبعاً بكل ما يؤرق شاعر عاش في لحظته المرتقبة ليحاول الاكتمال كما ينبغي اكتمالاً إنسانياً ليس خارجاً عن شهوة النفس في أن تعيش الهدوءَ الخارج من معمعة القلق الوجودي العميق والمسكون بكل تباريحه في وجدان الشاعر الباحث عن الطمأنينة في عالمٍ يميّزه أنه ناقصٌ لن يكتمل إلا بالتوهم!
ما يلفت النظر في المجموعة الصادرة عن دار الجندي بالقدس (2016)، اعتمادها بشكل كلّي على عصب الوقت العصيب، فلا تكاد قصيدة تخلو من ذكر الوقت ومفرداته المشبعة بالحنين والوجع، الحنين للذات والمرأة ولجمال القصيدة المراوغة التي لا تنبلج بسهولة. يفتتح الشاعر مجموعته بقوله:
«في لحظةٍ من رماد اللون
تمرّين قرب الباب
الباب الذي يطل على الشوارع المتعبة» (ص9).
ويدخل في مغامراته مع الوقت في كل حين صبحاً ومساء وفجراً وهو يعابث يومه، يساهر وحي القصيدة، ففي محاولته الفاشلة التي كانت في:
«الرابعة فجراً؛
كأسان من القهوة المرة
والمنفضة تكاد تمتلئ بأعقاب السجائر
المحاولة الخامسة لكتابة نص
فاشلة تماماً كشقيقتها الأولى» (ص59)..
يعلن الشاعر بكل قلق المبدع المنتظر لحظة الانبثاق، ولكنه في مرة أخرى يسهر حتى الرابعة فجراً وليس شرطاً هذه المرة لأجل اقتناص القصيدة وإنما كتجربة في السهر ذاتية وخاصة:
«فهذا لأَنِّي
أحب مماحكة العدم» (ص69).
هكذا يعيش الشاعر طقوسه الخاصة في ممارسة حياته عاشقاً مهووساً مترقباً يحاول كل عناصر الكون الماء والهواء والتراب ويصوغ منها جهته الناقصة، ولكن لماذا يُغيّب الشاعر تلك الجهة وينقصها كقصيدة وسماء ناقصتين؟
عند التأمل في كل تلك النصوص لا بد أن تتبادر إلى الذهن دلالة الجهة الناقصة، فالشاعر لم يغيّب تلك الجهة الناقصة تماماً إلا ليدفع القارئ للبحث عنها، وما يدفع للتساؤل أكثر جَعْلُه العنوان منكَراً موصوفاً «جهة ناقصة»، فما هي تلك الجهة الناقصة؟ وهل يصلح أن نبحث خارج البنية النصية عن تلك الجهة التي أنقص الإعلان عنها؟
ورد في الأثر أن المرأة خُلقت من ضلع الرجل، فكانت أكمل منه خلقةً، فهي تتمتع بأربعة وعشرين ضلعاً والرجل ثلاثة وعشرين، ولعل احتياج الشاعر للمرأة ذلك الاحتياج المسكون في القصيدة ومشاكسة العشق يتوق للاتحاد بالمرأة لتكمل جهته الناقصة، فهما إن اتّحدا صارا مخلوقاً واحداً كاملاً، وهذا ليس بعيداً عن الفلسفة الإسلامية بشكل عام التي ترى أن كلّاً من الرجل والمرأة ناقصٌ وهما منفصلان، فإذا ما اتّحدا اكتملا، وربما حضرت في لا وعي الشاعر نظرية الروح الكروية التي قال بها بعض فلاسفة الإسلام بأن كل روح انقسمت إلى نصفين أحدهما في جسد مذكر والآخر في جسد مؤنث، وكل قلق يعيشانه ناتج عن ذلك الوله في البحث عن الاكتمال، فكل منهما يبحث عما يكمله ويتناغم معه تناغمَ اتحاد وكينونة، وقد أورد د.إحسان عباس في مقدمته لكتاب «طوق الحمامة» هذا القول الذي ينسبه لابن حزم: «الأرواح أكر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقرها العلوي، ومجاراتها في هيئة تركيبها».
ومن هنا جاءت خاتمة المجموعة لتدل على هذا المعنى:
«تعال نتّحد
ونبقى منفصلينْ» (ص86).
إنه اتحاد الروح مع واقعية انفصال الجسد.
ومع إمكانية هذا التفسير لدلالة العنوان تبقى هناك جهة ناقصة أخرى بدلالة الجهات الثلاث (الماء والهواء والتراب). إنها جهة النار، فالكون عند علماء الفلك يقوم على هذه العناصر الأربعة حتى تكتمل حركة الكون وتتكامل تصوراته الفلسفية والوجودية، وبالنظر إلى التفسير الأول من تأويل الجهة الناقصة بالافتقار والاحتياج إلى المرأة، وارتباط الحب وحركة النجوم والفلك كما أثبت ذلك د.إحسان عباس ناسباً القول إلى أحد فلاسفة المجوس. وهذا ما قد تشير إليه قصائد المجموعة، فإن الشاعر ما زال يعاني من نقص الجهة الرابعة (جهة النار)، فما دام أنه لم يتّحد مع تلك المرأة الحلم، فإنه لم يبلغ اكتمال العناصر الأربعة، ولم يحترق بعد احتراقاً مقدساً بنار تلك المرأة لتمنح كينونته الكمال المبتغى.
وبهذا يتّحد التفسيران معاً ليشيرا إلى تلك الجهة الناقصة المعلَن عنها عنواناً والمشار إليها ضمناً في نصوص هذه المجموعة التي أضافت لرصيد الشاعر جهة أخرى كاملة مكتملة في بنائه الشعري السلس القائم على هدوء النغم كروحه الهادئة التي تصبو بإيقاع شجي لما تريد بعيداً عن الجلبة أو الضجيج العاطفي المضجر والممل!
* كاتب فلسطيني