هل سمعت يوما بشخص اعترف بأنه قصّر في واجباته تجاه الاخرين ؟ هل قابلت انسانا أعلن طواعية عن ندمه الصادق وغير المتأخر لأنه خذل صديقا أو خان عهدا ؟ حتى المجرم القاتل ، الملطخة يداه بالدم ، وباصرار من محاميه لا يعترف بفعلته. مثل هذه القصص لن يصدقها أحد وان حصلت ، لأنها ببساطة تصنف ضمن قائمة المستحيلات!
قادتني هذه التساؤلات الى البحث عن معاني واصول بعض المصطلحات الشائعة التي يقصد بها المقارنة أو المفاضلة بين الاشياء والتي نستعملها من وقت لاخر دون تمحيص او تدقيق. ومنها ما جاءنا من الخارج ومنها ما هو نتاج بيئتنا.
نتحدث مثلا عن احدى السلطات الرئيسية التي ترسخت مؤخرا في عالمنا المعاصر وهي السلطة الرابعة التي لا تنتخب ولا تعين ولا تقال ولا تتقاعد. يعمل فيها كثيرون تماما مثلما في السلطات التقليدية الاخرى: القضائية والتشريعية والتنفيذية. اذ باتت الكلمة المكتوية والمسموعة والمرئية اليوم شريكا اساسيا في تقرير مصير الشعوب والدول. الفرق هو ان السلطات الثلاث الاولى تستمد قوتها من القوانين، أما الرابعة فذخيرتها معنوية واجتماعية وتوثيقية.
نميل ايضا الى وصف من لا يتفق مع ارائنا السياسة بأنه ينتمي للطابور الخامس ، واعترف بأنني لم أكن اعرف على وجه الدقة ما هي الطوابير الاربعة الاخرى! والقصة باختصار انه واثناء الحرب الاهلية الاسبانية في ثلاثينات القرن الماضي كان أحد الجنرالات الاسبان يستعد للدخول الى مدريد على رأس قوة عسكرية تألفت من اربعة فيالق أو طوابير. ومما قاله هذا الجنرال للصحفيين قبيل الاقتحام: «هناك طابور خامس داخل مدريد ينتظر دخولنا لينضم الينا «. بعد ذلك بدأ تعميم المصطلح وتأويله.
كبشر نفاخر ايضا بحاستنا السادسة اي قدرتنا على الاستنباط أو الاستنتاج قبل وقوع الحدث أو ظهور المشكلة أو الخطر ، أو حتى استشعار المشاعر الايجابية من طرف ثان و قراءة افكاره ، وقد تكون القراءة مخطئة احيانا ، وعند هذه النقطة تتجمع كثير من خيوط روايات الغرام والانتقام. لكنها حاسة موجودة ايضا عند كل الحيوانات الاليفة والبرية المحرومة من حاسة النطق ، والا كيف صمدت حتى الان في مواجهة وسائل الفتك بها التي صنعها الانسان ، وما عليك الا ان تراقب رد فعل عصفور بريء عندما يقترب منه أحدنا! هل هي اذن الحاسة الخامسة في عالم الحيوان؟
«ثالثة الاثافي» قيلت حول الاحجار الثلاثة التي يرتكز القدر عليها لطهي ما فيه من طعام. والأثف أو الأثفية هي مفرد الاثافي. و دور الحجر الثالث هو الأهم لأنه يمثل الجزء الثابت من الجبل أو المنحدر ، بينما يمكن تحريك الحجرين الاخرين حسب الحاجة. لكن الملفت ان بعض الكتاب يقلبون المعنى ويشبّهون ثالثة الاثافي بالضربة الختامية القاضية الموجهة من قبل الخصوم لالحاق أكبر ضرر ممكن بمشروع ما.
بالعودة الى مصطلح رابع المستحيلات الاكثر طرافة فان المستحيلات الثلاثة كما شاعت في قديم التراث الشعبي العربي هي الغول والعنقاء والصديق «الوفي». الاول والثاني مخلوقان خرافيان مخيفان لا وجود لهما على ارض الواقع ، أما الثالث وهو الصديق «الوفي» فيمكن رؤيته ومحاورته لأنه حقيقي ! وعندما نتحدث عن شىء صعب المنال أو نواجه موقفا معقدا فاننا نلجأ لعبارة رابع المستحيلات. لكن كيف ولماذا شبّه صائغ مقولة المستحيلات هذه بين مخلوقين خرافيين وربطهما بالخل أو الصديق «الوفي» ؟على الارجح ان صاحبنا هذا كان قد عانى الأمرّين من «خلاّنه» وأصحابه قبل ان يتوصل لهذا الاكتشاف الفريد! ولعل تجربة الامام الشافعي لا تختلف كثيرا عن تجربة صاحبنا المخذول حين قال: ما أكثر الخلان أو الاصحاب حين تعدهم ، لكنهم في النائبات قليل.
ترى هل كانت عطلة العيد الطويلة فسحة ملائمة لمصارحة الذات فيما اذا كنت خاذلا ام مخذولا؟