كتاب

أكل اللحوم

ينفرد الإنسان عن غيره من المخلوقات، بالتلذذ بأكل لحوم الآخرين، حيث يشكل ذلك مصدر سعادة لحظية ،رغم ما يسببه الإكثار من أكل اللحوم من أخطار صحية مثل الجلطات الناجمة عن ترا كم الدهون ، وحدوث النقرس وهو من أكثر الأمراض المؤلمة لمفاصل جسم الإنسان، كما يؤدي إلى حدوث حصوات بالكلى.

ورغم ذلك يشكل تناول اللحوم بأنواعها.. المواشي والطيور والسمك وغيرها، جزءا من سلوكيات البشر خاصة في الأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية ، بل أنها تحولت الى عبء ثقيل في بيوت العزاء ! ويتلذذ الإنسان ليس في أكل اللحوم فقط ، بل بالحديث عن متعته في ذلك أمام الآخرين، ويسهب في وصف طريقة إعداد الطعام..مشاوي ، أم طبخ، وشكل قطعة اللحم التي يحبها أكثر..مطبوخة مع باميا أو ملوخية ، أو قلاية بندورة ، وقطعة اللحم التي كانت من نصيبه على منسف، كأن تكون « موزة» أو قطعة من كتف أو فخذ الذبيحة ، وهل اللحم بلدي أم مستورد ؟ وهناك من يحب الكبدة والكلى والطحل والنخاعات و»الكرش».

وبعض الأشخاص يستهويهم تفتيت رأس الذبيحة الذي يتوسط المنسف ، وأحيانا يتم تزيينه بوضع «ضمة « بقدونس بين فكي الرأس، وهناك من يفضل عملية قطع اللسان أو المخ ، وثمة العديد القصص التي يرويها البعض عن حوارات مبطنة ،جرت بين شخصيات اجتماعية وسياسية خلال تناول المنسف، وتوظيف عملية «قطع اللسان» ،أو « قلع العين « لإيصال رسالة الى خصم.

لا يوجد إحصائيات دقيقة حول كميات اللحوم، التي تهدر في الولائم التي تقام في مناسبة عامة، وهناك بعض الأعراس تقدم فيها آلاف المناسف ، في عملية استعراض وتفاخر اجتماعي زائف ، تكون حديث الناس لفترة طويلة، وتصبح جزءا من تاريخ صاحب العرس.

وفي هذه الايام نعيش في موسم الأضاحي، حيث يتم خلاله أكبر عملية إعدام جماعي للأضاحي في يوم واحد تتكرر كل عام ، لكنه إعدام «حلال» ، إذ تعتبر الأضحية إحدى شعائر الإسلام، التي يتقرب بها المسلمون إلى الله في عيد الأضحى ، وهي عملية لا تقتصر على الحجيج لكنها سنة يتبعها ملايين المسلمين ،لان جزءا كبيرا من الأضحية يوزع على فقراء محتاجين.

يتلذذ الأنسان في أكل لحوم الكائنات الحية ، مثل الخراف والجديان والعجول والجمال والدجاج والحمام والبط والحبش ، وهناك تقاليد متنوعة لدى الشعوب ،وبعضها يتلذذ بأكل كائنات أخرى ،مثل الزواحف والحشرات والقطط.. لكن المفارقة أن الانسان أيضا ،هو الكائن الوحيد ، الذي يتلذذ بأكل لحم أخيه الإنسان، وهو ما نسميه ب»النميمة» واستغابة الآخرين، والتفنن في إظهار عيوبهم وانتقادهم.

وفي هذه الأيام يشهد مجتمعنا ، زخما هائلا في ممارسة النميمة والغيبة ،والعديد من الممارسات غير الأخلاقية لتشويه صورة الخصم ، في سياق الحراك الانتخابي، والمؤسف أن ذلك أهم أسلحة الدعاية الانتخابية لدى البعض حيث يتبادل عديد المرشحين المتنافسين وأنصارهم «المتحمسون» كيل التهم والشتائم والانتقادات وتأليف القصص لتشويه صورة الخصم ، بدل التنافس في عرض البرامج والأفكار.

ولأننا في عطلة العيد الطويلة جدا « تسعة أيام «، وهي مناسبة تكثر فيها الزيارات واللقاءات الاجتماعية، فإنها ستكون فرصة ليست لأكل لحوم المواشي فقط ، بل أيضا لأكل لحم بعضنا بعضا ، وهذه إحدى طباع الإنسان السلبية ،التي تضع بقية الكائنات في درجة أعلى منه سلوكيا

في عالم الحيوان لا توجد حروب مدمرة ، لكن البشر يمعنون في قتل بعضهم بعضا، وتنفق الدول أموالا هائلة تكفي لحل مشكلات العالم الاجتماعية والاقتصادية، على التسليح وشن الحروب المباشرة أو بالوكالة، وما يجري في بلادنا العربية منذ سنوات دليل واضح ،على نزوع الانسان باتجاه قتل أبناء جنسه.

الإنسان يجيد النميمة وحبك « المؤامرات» وإيذاء أخيه الانسان ،على صعيد الأفراد والدول، وهذا سلوك لا يوجد في عالم الحيوان، لكن صفات الطمع والأنانية و»عبادة «المصلحة الخاصة ،هي جزء أساس من اهتمامات وسلوكيات الانسان.

Theban100@gmil.com