انتهى العرس الاقتصادي العالمي في هانغتشو الصينية ، وتفرق الكبار، بعد بيان ختامي مقتضب ، انكر أو تجاهل ، هموم الشعوب الفقيرة ، وكرس انتهاء الصراع بين الرأسمالية والشيوعية ، ليبدا الصراع بين الدول الصناعية الكبرى حول تعزيز المصالح في الاسواق الاستهلاكية ، وميدانها دول العالم الثالث.
الصين طالبت بتامين الاسواق المفتوحة ، لأن بكين تريد الدخول ، كمنافس رئيس ، الى كل الاسواق في العالم بلا عقبات أوعراقيل ، ودون وجود اي مقدار من الحماية للصناعات الوطنية في الدول الاخرى. اما واشنطن ، فقد طلبت توسيع التجارة الحرة لتكريس دورها الاقتصادي المميز، كدولة قائد في زمن العولمة ، وقوة اقتصادية كبرى في ظل النظام العالمي الجديد ، الذي انفردت بقيادته والهيمنة على اقتصاديات وثروات الدول النامية لعقود من الزمن ، وهو الحلم الاميركي الذي الذي تحول الى مشروع كوني يهدف الى اخضاع الدول الاخرى اقتصاديا من اجل ابتزازها سياسيا باسم المساعدات والقروض.
المشروع الاميركي ، كان وما زال ، بناء امبراطورية عالمية من خلال مشروع كوني يخدم المصالح الاميركية ويزيد من دخل ومكاسب الشركات الاميركية الكبرى ، والشركات متعددة الجنسيات ، التي تنسق وترتبط بشكل ما مع المؤسسات الامنية الاميركية ، وفي مقدمتها وكالة الامن القومي ، أو التعاون مع البنك الدولي ، وهي الحقائق التي نشرها جون بيركنز في كتابه « اعترافات قاتل اقتصادي «.
يروي بيركنز ، الذي لعب دور قاتل اقتصادي حقيقي ، أن الشركات الكبرى ( البنوك والنفط والسلاح وشركات البناء والمقاولات والسيارات والصناعات الكبرى ) تفرض سلطتها على الادارة السياسية في الولايات المتحدة ، كما تتحكم بالمؤسسات الاعلامية ، أو تملكها بالكامل.
والخطوة الاولى في النهج الاميركي متعدد المراحل ، تبدأ بدورالبنك الدولي ، أو من خلال « القاتل الاقتصادي « الذي يمثل دور مندوب احدى الشركات الاميركية المعنية ، والذي يقوم باغواء وتشجيع قادة الدول النامية وجذبها الى فخ المساعدات والقروض ، وتكليف الشركات الاميركية بتنفيذ المشاريع في الدول المقترضة ( طرق سريعة ، مطارات ، موانيء ، محطات كهرباء ، ووسائل اتصال ) من أجل اعادة اموال القروض والمساعدات الى بنوك الولايات المتحدة ، وتحويل الدول المقترضة الى رهائن.
هناك مهمة أكبر واخطر ، وهي مهمة اقناع الدول المنتجة للنفط بشراء سندات خزينة ، أو استثمار اموال النفط في الولايات المتحدة لضمان عودة الاموال الى البنوك والشركات الاميركية أيضا ، وربط اقتصاد الدول المنتجة بالاقتصاد الاميركي. ويذكر بيركنز ان فشل مهمة « القاتل الاقتصادي « في بغداد ، ورفض القيادة العراقية السابقة لعقد مثل هذا الاتفاق ، هو سبب غزو العراق واحتلاله واسقاط النظام. وانا اعتقد ان اشعال الحرب متعددة الجنسيات في سوريا ، سببها أن سوريا كانت الدولة الوحيدة المكتفية ذاتيا ، وغير مديونة ، والان ، عندما تنتهي الحرب ستنضم الى الى جانب العراق ، في مقدمة الدول المديونة.
وعندما يفشل القاتل الاقتصادي في مهمته في بلد ما ، تلجأ واشنطن الى استخدام خطط اخرى ، فيتم تكليف فرق الاغتيال ، ولقبها « ابناء آوى « ومهمتها اغتيال قادة الدول التي ترفض العروض الاميركية ، كما حدث مع رئيس الاكوادور جيم رلدس الذي قتل باحتراق طائرته ، ورئيس بنما عمر توريجس الذي تحطمت طائرته في الجو.
وفي حال فشلت مهمة ابناء آوى ، تأتي مرحلة نشر الفوضى والعنف ، عبر ارسال وكلاء لشراء الذمم ، وتحريك المعارضة اليمينية ، وتحريض قادةدة نقابات وجمعيات ، وهو السناريو الذي نفذه كيرمت روزفلت في ايران لافشال ثورة مصدّق ، واعادة شاه ايران الى الحكم ، واعتقد أنه السيناريو الذي استخدم في عملية اسقاط رئيسة البرازيل ديلما روسيف ، ويستخدم اليوم لاسقاط رئيس فنزويلا مادورو، وربما اسقاط انظمة اخرى في اميركا اللاتينية.
واذا فشلت فرق الاغتيال في تنفيذ مهماتها ، هناك الحل الاخير ، وهوالغزو العسكري كما حدث في افغانستان والعراق ، أو بدرجة اقل ، تتمثل بتدبيرانقلاب عسكري بدعم اميركي ، ولا استبعد صحة الاتهمات التركية لواشنطن ، لأن الدور الاميركي في المنطقة يشوبه الغموض ، وربما لسبب ما ، هناك مشاركة او موافقة ، او على الاقل قبول أميركي لمحاولة الانقلاب على اردوغان ، لسبب اميركي خاص ، أو لأن لاردوغان مشروعه الاقليمي العثماني دون موافقة اميركية.