سؤال ملحّ مطروح اليوم بشجاعة على الساحة العربية. لماذا فشلت الأحزاب القومية واليسارية العربية ؟
لماذا لم تستطع أن تؤدي دورها حين واتتها الظروف في بعض البلدان العربية؟ في تصوري أن هذه الأحزاب لم تحسن الاقتراب من أسئلة الواقع العربي على حد قول المفكر المغربي د. كمال عبد اللطيف.
قادة هذه الأحزاب إلا القليل منهم شطحوا كثيراً في تصوراتهم ورومانسيتهم. لم ينقدوا أنفسهم نقداً ذاتياً في أعقاب الهزائم العربية المتلاحقة.
لم يراجعوا مفاهيمهم وأدبياتهم الحزبية ليروا هل هي باتت موائمة للمتغيرات العالمية المعاصرة. تركوا الساحة والمشهد السياسي العربي في أعقاب هذه الهزائم ليحتله «الإسلام السياسي» بجماعاته المختلفة التي راحت تموّه على الجماهير زاعمة أن الفرج الحقيقي سيأتي من خلالهاّ!. الجماهير المحبطة تم خداعها.
الكثير منها صدّق هذه المقولة المخاتلة، بعد أن ضاق ذرعاً ببؤس أداء الأحزاب القومية واليسارية التي باعته وعوداً لم تستطع تحقيقها.
الأحزاب القومية لم تنفتح على صيرورة التاريخ. ظلت منغلقة. أكثر من هذا. انشقت على نفسها. قادتها مع الأسف حلموا أكثر من اللزوم. حلمهم تجاوز حدود الواقع، قفزت مصالحهم الشخصية على هذا الحلم. باعوا الجماهير كلاماً معسولاً على مدى عدة عقود.
وحين أفاقت الجماهير وصحت بعد الهزائم العربية وجدت أنها قد ضُلّلت حين صدّقت بيانات هذه الأحزاب.
وبصراحة أقول أن الكثيرين من قادة الأحزاب القومية كانوا من الطبقة البرجوازية، وهي طبقة سرعان ما ترتد إلى جذورها حين تتاح لها السلطة السياسية، فتعمل على جني المكاسب المادية وتأبيد مواقعها في الحكم قدر المستطاع. أما الأحزاب اليسارية فهي الأخرى قد شاخت إلى حد كبير.
مفرداتها الحزبية أكل الدهر عليها وشرب. لم تتكيف مع الواقع الجديد، لم تنقد نفسها نقداً ذاتياً، تُرى أين الخلل في هذه المفردات.
أترك للمفكر د. كمال عبداللطيف أن يصف لنا واقع هذه الأحزاب القومية واليسارية.
«لا بد من الإقرار هنا بفشل الأحزاب القومية، وتقوقع فصائل اليسار وعدم قدرتها على إنجاز النقد الذاتي بعدها أصبح تراجعها أمراً قائماً ومؤكداً.
وما زاد هذه التيارات ضموراً شيخوختها، شيخوخة العمر الزمني المتمثل في عدم قدرتها على تجديد آليات عملها في مجتمع يتغير».
د. كمال عبداللطيف «تجليّات الثقافي في الربيع العربي» ص163
رؤية للنشر والتوزيع – القاهرة 2014
لم تحسن هذه الأحزاب «تجديد آليات عملها» ظلت بعيدة عن متغيرات الواقع.
«المفاهيم المتآكلة» لم تتبدّل !
أسقطت هذه الأحزاب من حسابها المتغيرات العالمية ! ظلّت تتصدى للتحدّيات العالمية بنهجها القديم دون أن تتبنى مواضع الخلل فيه.
وهنا أقتبس ما قاله ذات مرة المفكر العربي د. صادق العظم.
قال: «إن المفاهيم والأفكار النظرية السائدة في وقت من الأوقات حول تقدم أو تخلف مجتمع تاريخي ما قد تكون معاكسة كليًّا لواقع وحقيقة ذلك المجتمع». د. صادق العظم: «ذهنية التحريم» ص158،دار مدى للثقافة والنشر، دمشق.
ما عناه هذا المفكر أن المفاهيم ينبغي أن تواكب تطورات العصر فلا تظل منغلقة عنها!
مع الأسف هذا ما وقعت فيه الأحزاب القومية واليسارية العربية. أصرّت على الانكفاء. زعمت أنها وحدها التي تحتكر الحقيقة وأن خلاص الأوطان من التخلّف والتبعية للإمبريالية العالمية لن يتم إلا بتطبيق نهجها !
المحصّلة هو ما نشهده اليوم من مآسٍ وعنف. وبصراحة أقول إن أحزابنا القومية واليسارية لم تحمل مشروعاً حقيقياً للديمقراطية.
لم تحسن التحالف فيما بينها حين أتيح لها الحكم في بعض الأقطار، إذ سرعان ما أقصت الآخر وهمّشته !
هذا يدل على نرجسيّة قادة هذه الأحزاب – مع احترامي للمخلصين منهم – فالديمقراطية لم يدخلوها في حسابهم، والدليل على ذلك ما شهدناه من صراع على السلطة بين قادة الحزب الواحد وصل إلى حدّ الاعتقال أو النفي أو الإجهاز على الحياة!
هل أقول إن النوايا لقادة هذه الأحزاب لم تكن صادقة ؟ هل أقول أنهم رفعوا شعارات مضلّلة لم يطبقوا مضامينها ؟ إن تجديد «المفاهيم» الحزبية ضرورة وطنية وقومية ينبغي الإيمان بها. العالم يتغيّر. المفردات القومية أو اليسارية ينبغي أن يعاد النظر فيها. لا يجوز في مفردات ممتلئة يقول المفكر الراحل د. محمد عابد الجابري :
«إن من مظاهر الانقلاب التاريخي المطلوب من الديمقراطية إحداثه في الوطن العربي انقلاب قوامه إحلال الولاء للفكرة وللاختيار الأيديولوجي الحزبي محل الولاء الشخصي». د. محمد عايد الجابري: «وجهة نظر» ص125- مركز دراسات الوحدة العربية/ بيروت.
د. الجابري يدعو إلى جعل «الوحدة الوطنية عبر التعددية الحزبية تعلو على الأطر الاجتماعية القديمة».
وهذا ما زالت ثورات الربيع العربي تقاربه بحذر، والسبب – كما أرى – محاولة البعض إقصاء البعض الآخر أي الالتفاف على التعددية الحزبية !