اكثر الكتابات اضراراً بالقارئين هي التي يحترمها كتّاب لا يقرأون..
ونحن نملك بشيء من المتابعة والتدقيق أن نرى الى بالغ تعويل كثير من الكتاب–ولا سيما المشتغلين بالسياسة واحداثها–على معطيات «الانترنت» والتقارير الاخبارية التي لا تنقطع ليل نهار, اذ غالباً ما تكون هذه «المعلوماتية» المتيسرة لهم–ولأي طفل في العاشرة–هي قوام ما يملأون به فراغ الصفحات أو الساعات في الصحف أو الفضائيات.
وطغيان المعلوماتية على المنهجية الفكرية أثمر لغواً كثيراً واستطرادات مديدة لا طائل وراءها, كما تضمن الواناً من خداع من يتولى كبر ذلك لأنفسهم وللآخرين. ولما كان المطلوب اولاً وقبل اي شيء آخر, هو ملء الفراغ, فإن من شأن محترفي الكلام أن يهولوا على الجهلة بأنهم الاطول باعاً والاقوى عارضة بقدر ما يملأون من فراغ. وهي حيلة يسمح فساد الحياة الفكرية والادبية بانطلائها على قاعدة أن ضعيف البصر بين العميان «باش كاتب». وكم يتيح الفساد لهذه الحال المائلة ان تتفاقم, ويتيح لمن يمثلونها ان يتمتعوا بضروب شتى من الغرور. نملك, لولا احترامنا لذكاء القراء الكرام, أن نأتي بأذنموذجات على ما نقول. ولكننا نعدو ذلك الى توجيه النظر الى «سيكولوجيا الثرثرة» او الى ما قد يطلعنا عليه علم النفس من دواعي تنفّج صاحب الخلقان وهو يعرض بضاعته المزجاة على الناس, وقد اطمأن الى أن احداً لن يكتشف عيوبها.. وفي الحق أن كثيراً ممن تبوّأوا سدانة هذه السوق القائمة لا يملكون تقويم (أو تقييم) أية مادة مما يعرض فيها, أو انهم يغمضون فيها اغماض الجاهل أو المتجاهل, ولا يتلبثون ازاءها, فهي تسيل من بين ايديهم سيلان الوباء الى عقول الناس وأذواقهم.
ولقد يتساءل أحدهم قائلاً: وكيف أمكن لهذه المعادلة المعجبة ان تكون, وأين هو الضمير؟ وأين هي المسؤولية؟ وأين هم أهل النقد, وأين هم المصلحون؟
يقول احمد شوقي امير شعراء العرب في العصر الحديث:
وللاوطان في دم كل حر
يد سلفت ويدن مستحق
ولو كان لنا ان نتفاءل بوجود من يحفظ للوطن أياديه التي سلفت, وديونه التي تستحق الاداء, فإن مما ننتهي اليه من ذلك ان علينا أن نواجه هذه الظاهرة/ المرض, وأن ندفعها عن وعينا الوطني بكل سبيل.