«الصريح» التي ادركتها طفلاً كانت بلدة ساجية على تخوم الاحلام, يكاد أهلها الطيبون يصافحون النجوم, وتملك ان تتمثل على كل قيمة اخلاقية برجال منهم, لا ريب أن لهم امتداداً محموداً في ابناء هذه البلدة جيلاً بعد جيل.
صريح اليوم اقرب الى ان تكون مدينة صغيرة تفصلها مسافة قصيرة عن اربد, وقد اتسع بنيانها, وازدحمت اسواقها, وكثرت فيها المضافات والدواوين والهيئات الثقافية والاجتماعية. وبلغ من تحقق الهاجس المعرفي في أهلها أنهم يفاخرون اليوم بمئات الجامعيين وحملة الشهادات العليا (ثمة مثلاً اكثر من ثلاثين استاذ دكتور) ناهيك بالقادة العسكريين, ونواب البرلمان, والوزراء, والاطباء والمهندسين والمثقفين, والادباء, والرياضيين.
لقد انتقلت الصريح من عهد الى عهد, مستبقية جمال ماضيها وعبق ايامه, وعاكفة على بناء حاضرها بوعي مستبصر, وبعزائم لا تلين, وهي مؤهلة لدور كبير في ناحية بني عبيد من الشمال, بل في الاردن كله, ولا سيما في العلم والثقافة, حيث اقام أبناؤها الجمعيات والمنتديات, وأخذوا يتطلّعون الى أن تكون بلدتهم مهوى أفئدة الادباء والعلماء والمفكرين في الاردن وفي العالم العربي. وهم يسعون سعيهم المشكور في ذلك, ويرون انهم به جدراء وعليه قادرون.
وإن مما ينبغي التفكّر في دلالته أن يكون من أهداف «الجمعية الادبية العربية» في الصريح (والتي مُنحت تصريحاً باسم الجمعية الثقافية الادبية) أن تصدر مجلة ثقافية عالية المستوى يكون في هيئة تحريرها مفكرون عرب ومسلمون وفلاسفة وعلماء, وأن تقيم مواسم ثقافية, ومعارض كتب, ومؤتمرات, مفيدة من موقع الصريح التي تحيط بها الجامعات من جهاتها, ومن خبرات ابنائها.
ثم إننا اذا زدنا على ذلك النشاط الذي يقوم به «الملتقي الثقافي الحضاري» منذ اكثر من ثلاث سنوات في الصريح, وما نأمل ان يحققه من أهداف, فإن بنا أن نتفاءل بأن تكون هذه البلدة العربية الاردنية مركز اشعاع وتنوير, وأن تكون مثالاً يحتذى, وحجّة قائمة على ما يملك الاردنيون تحقيقه.