لنفترض جدلا ان هذه الديمقراطية التي نَنْتَحِلُها عن الغرب يمكن لها ان ترقى الى ان تتنوّر زلفة معنى الشورى وان يتحقق فيها مطلوب البيعة. فهل ستبلغ بنا ان نتناهى عن المنكر، او ان لا نأتيه في نوادينا، وان نكون بمنجاةٍ مما نكصت اليه حضارة العرب من عبادة «السوق» وتقديم الانسان قُرباناً اليها على نحو ما يقول الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه غارودي رحمه الله؟.
ان الديمقراطية لا تعدو ان تكون اداةً من أدوات الحكم او أُسلوباً من أساليبه، فهي ليست ديناً ولا فلسفة بل هي مفتقرة الى الدين الفلسفة او الى الحكمة التي يفترضانها فيمن يصدر (فيما يأتي ويدع) عن ايمان بصير وعقل مستبصر.
***
لنفترض جدلا انه امكن للحُكم ان يكون فلسفة او امكن للفلسفة ان تكون حُكما في جيل من الاجيال، فهل يمكن ضمان هذه الحال التي يبعد ان تتفق لأُمّة من الأُمم الا نادرا، وهل نأمن ان لا تنتقض هذه التجربة فتؤول من قريب الى فوضى عمياء يختلط حابلها بنابلها، ويسود فيها الجهال والمغامرون؟
انه لا ضامن في الحقيقة الا ما قد تتضمنه التجربة من حصانة اخلاقية وانضباط قيمي، وهما لا يكونان بغير حكمة بالغة او دين قويم تستيقنه الانفس وتسترشد به الارادات.
***
لنفترض جدلا ان ثمة جمهورا من العلماء والمفكرين ذوي السوية المتقاربة في الوعي، فهل نتوقع اذا استفتيناهم في امر ان تكون ارجحية الصواب فيه منوطة بتوافق الاكثرية، ام انها منوطة بمنطق العقل السليم بغض النظر عن تظاهر الاصوات او تناغمها؟
هذا، وهُمْ في الاعتبار من هم، فما بالك بغيرهم ممن يصفهم الإمام علي كرّم الله وجهه بالهمج الهامج؟
إن الكثرة ليست ميزاناً للحق، وان مما يخلص اليه المتدبرون ان آلاف الأصوات قد ترتد الى صوت واحد، تتصادى معه في ذهول، وتلهث في اثره بمعقول او بغير معقول.
***
لنفترض جدلا صدق دلالة ظاهرة ما نراه من الديمقراطيات (على انواعها) على حرية المواطن أيّاً كان في ملء بطاقة الانتخاب على مقتضى ما يريد. افتأمن ان تكون ارادته مسوقة بقوى (فوق بنفسجية) قاهرة، او ان يكون ما نراه من ظاهرة حريته عند الصندوق هو آخر الطقوس في عبادة آلهة السوق، سياسية كانت أم اقتصادية؟.
***
افتراضات يُمليها الواقع، وتساؤلات ما لها من دافع عن «عذاب» واقع.. فأين تذهبون؟.