لم يكن مثل هذا التفريغ «الديموغرافي»، الذي أقدم عليه نظام بشار الأسد ومعه بالطبع الروس والإيرانيون بإجلاء سكان داريا الملاصقة للعاصمة دمشق بجوار مطار المزة الذي أصبح عسكرياً، إلاّ في سبعينات القرن الماضي عندما لجأت قوات الكتائب وتحالفها إلى «جرْف» مخيم تل الزعتر ومخيم «ضبية» الفلسطيني في بيروت الشرقية بغطاء مدفعي وصاروخي من :»الجيش العربي السوري»!! المرابط بالقرب من قصر بعبدا الرئاسي وترحيل سكانهما حتى آخر طفل ودفعهم للهروب بأرواحهم وترك أكواخهم ومنازلهم التي لم يعودوا إليها حتى الآن.
والمشكلة أن عملية «التطهير» الطائفي والمذهبي هذه في داريا قد تمت تحت إشراف الأمم المتحدة التي يبدو أنها أصبحت سمساراً رخيصاً للتغطية على الجرائم التي يرتكبها طغاة الأرض ضد شعوبهم المغلوب على أمرها.. وإلاّ ما معنى أن لا يصدر عن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أي إعتراض ولو بزم شفتيه إمتعاضا وما معنى أن تُرتكب هذه الجريمة لا بل هذه الجرائم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين بينما مجلس الأمن يلوذ بصمت مريب ولا يصدر عن أي هيئة دولية أي إعتراض ولو من قبيل رفع العتب .
لقد تم إقتلاع أهل داريا من مدينتهم ومن بيوتهم بعد صمود بطولي تواصل لنحو أربعة أعوام وبعد حصار موجع شارك فيه إلى جانب مغاوير :»الجيش العربي السوري» حراس الثورة الإيرانية وفيلق قاسم سليماني و «مجاهدي» حزب نصر الله ومرتزقة الشراذم المذهبية التي تم إستيرادها من إيران والعراق ودولٍ أخرى بعيدة كثيرة ليوم كهذا الذي تم فيه «تطهير» هذه المدينة الباسلة.. من «السنة « .. نعم من السنة لإحلال مكانهم وفي بيوتهم وأسرِّة أطفالهم هؤلاء الغزاة الطائفيين المرتزقة .
خلال الحرب العالمية الثانية حاصرت الجيوش الغربية، جيوش ألمانيا النازية ورومانيا وإيطاليا الفاشية والمجر وكرواتيا، ستالين غراد التي عادت بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي إلى إسمها القديم سانت بطرسبيرغ لنحو «872» يوماً وبالطبع فإن الخسائر في الجانبين كانت كبيرة جداً قبل إنتصار الجيش الأحمر على الغزاة المهاجمين لكن بالمقارنة فإننا نجد أن أهل داريا الذين قاتلوا بأجسادهم وأجساد أطفالهم قد صمدوا لأربعة أعوام قاسية في وجه قوات نظام بشار الأسد ومعها حراس الثورة الإيرانية وقاصفات روسيا الإتحادية وميليشيات حزب الله وعشرات الفصائل والتنظيمات الطائفية .
إنها واحدة من أبشع جرائم التاريخ ولعل أبشع ما فيها أنَّ ما جرى في داريا وما جرى لأهل داريا هو «تطهير» طائفي وتفريغ مذهبي لإحلال مرتزقة هذه الشراذم الطائفية محل أهل هذه الارض العربية الذين إنغرست جذورهم فيها منذ فجر التاريخ ومنذ الغساسنة ومنذ معركة اليرموك التي قادها بطل هذه الأمة العظيمة خالد بن الوليد.. وكل هذا والواضح أن عملية التفريغ «الديموغرافي» هذه هي خطوة متقدمة لإنشاء الدولة التي يجري إنشاؤها في :»سورية المفيدة» التي تحدث عنها بشار الأسد.
داريا.. أبشع جرائم التاريخ
12:00 29-8-2016
آخر تعديل :
الاثنين