الغريب أن عدد «الزعلانين» من اخلاء داريا من المسلحين الارهابيين أكثر من عدد «الراضين». الشرعية العربية ( الجامعة العربية ) غاضبة لأن باعتقادها أن جلاء المسلحين وعائلاتهم يحدث خللا ديموغرافيا !! والشرعية الدولية ( الامم المتحدة ) غاضبة ايضا ، ومبعوثها الذي لا يبتسم ابدا ، شعر بالاستياء ، لأن الاتفاق بين الجيش السوري والتنظيمات المسلحة تم من وراء ظهره ، والمصالحة اكتملت دون علمه !!
ولكن العجيب الغريب ، أننا لم نسمع هذه الاصوات ، وأعني الشرعية العربية والدولية ، تحتج على دخول القوات الاميركية الى الاراضي السورية لدعم ومساندة الاكراد في سلخ مدن وقرى وارياف الشمال السوري بهدف تمكين الاكراد من اقامة الاقليم الكردي ( كردستان سوريا ) وفرض الفدرالية في هذا البلد العربي المجروح النازف بسبب التدخل الخارجي المسلح.
كذلك ، لم نسمح هذه الاصوات ، الذي وهبها الله نعمة الصمت ، عندما اجتاحت الدبابات الحدود وتوغلت داخل الاراضي السورية ، تحت عنوان المشاركة في بازار محاربة داعش ، في الوقت التي تفتح تركيا حدودها امام المسلحين الجهاديين الذين جاءوا من كل جهات الارض ، وقدمت لهم ، وما زالت ، كل اشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي للتنظيمات المتواجدة ، لخدمة اهداف ومصالح انقرة ، والتضييق على الفصائل الكردية وضرب مشروعها فحسب.
لقد وظفت تركيا تحالفاتها الجديدة للحصول على المباركة والموافقة ونسج غطاء اقليمي وروسي يغطي عملياتها العسكرية ، واقامة الحزام التركي الآمن على امتداد حدودها ، وفي عمق الاراضي السورية ، تحت شعار محاربة الارهاب. الحقيقة ان هذا المشروع التوسعي يراود مخيلة اردوغان ويدغدع مشاعره وينعش احلامه. وربما يكون هذا المشروع القديم هو الدافع الرئيس لأسدارة اردوغان السريعة ، والسبب الحقيقي الكامن وراء التطبيع مع اسرائيل وروسيا وتخفيف التوتر مع ايران.
الثابت اليوم أن الرئيس اردوغان ، وبعد فشل الانقلاب العسكري ، وانتزاعه كل السلطات من المؤسسات ، يقود انقلابا جديدا شاملا ضد الاتاتوركية ، هدفه اخراج تركيا من مسالة البحث عن هويتها الجدية المعاصرة ، التي تكونت من مزيج مشترك بين العثمانية والاتاتوركية. هو يريد اليوم حسم هذا الصراع لصالح الهوية العثمانية الاسلامية في تركيا ، وبالتالي يريد الاثبات ، وفي ذكرى مرور مئة عام على سقوط الامبراطورية العثمانية ، ان تركيا اليوم ليست رجل اوروبا المريض ، بل هي دولة معاصرة قوية على الصعيدين الاقليمي والدولي ، قادرة على حل ازماتها ، كما هي قادرة على المشاركة في النزاعات المحلية من حولها ، وقادرة على مناطحة اوروبا.
واعتقد ان العدوان العسكري التركي على سوريا ، في مثل هذه الظروف الصعبة ، سيزيد في تعقيدات المسألة السورية ، حيث تحولت تركيا من جزء من الحل الى جزء من المشكلة ، بل هي المشكلة بكاملها ، الى ان تسحب قواتها من سوريا والعراق معا ، وتغلق حدودها بوجه الارهابيين ، واغلاق معسكرات التدريب في اراصيها.
في النهاية نقول ان حلم السلطان باقامة الامبراطورية العثمانية ، ما زال يراود مخيلة الرئيس التركي ( الزعيم الاوحد ) طيب رجب اردوغان ، لذلك اراد التمدد في الشمال العراقي والشمال السوري ، الى أن ياتي الوقت المناسب ، وياتي من « يحوش رجب « عن اراضي العرب.