هل يمكن للمرء ان يخسر صديقاً حقيقياً في معترك الحياة؟ وهل يقع في التصوّر مثل ذلك؟
يقول أهل الفلسفة ان الصديق هو انت الا انه في جسمه غيرك. وهي مقولة تتضمن معنى ثابتاً للصداقة لا تذهب برسوخه الايام ولا الاحداث ولا اختلاف الاراء.
واذا عرضنا حصائد التجارب على ما تقدم أو عرضناه على حصائد التجارب تبين لنا انه بين امرين: اولهما أنه مجرد كلام جميل اذا نحن فتشناه لم نخرج منه بنائل ولا طائل, وان غبار الواقع كفيل باخلاق مدلوله والذهاب بيقينياته. وثانيهما انه حكمة بالغة لا تدرك ابعادها الا بضرب من التأويل, وذلك ما يميل اليه من لا يزالون يؤمنون بالصداقة في هجير هذا العصر العجيب الذي يحار فيه اللبيب, وهو العزاء الباقي بعد أن وهنت العلاقات الانسانية وغدت مثل خيوط العنكبوت, ولم يعد شيء فيها يطمأن الى ثباته او الى تواؤم ظاهره مع باطنه.
لقد توافق افلاطون في محاورة «المأدبة» مع ابي حيان التوحيدي في «الصداقة والصديق» في كون «الصداقة» هي اسمى العلاقات في حياة البشر. وانها قد تفوق في صفائها علاقات القربى من ابوة واخوة وبنوّة وزوجية, إذ هي خيار عقلي وروحي لبنى نفسية وشعورية بلغ بها التشاكل درجة التعارف والائتلاف, ناهيك بما قد ترتقي اليه من مرتبة عالية هي مرتبة المتحابين في الله الذين يكونون, يوم القيامة, على منابر من نور, يغبطهم عليها الشهداء والمقربون.
واذ نعود الى السؤال الذي بدأنا به الحديث فإننا نقول انه لا يمكن لاحدنا, ولا بأي حال, ان يخسر صديقاً حقيقياً, وإن الصداقة في سمتها الحق توسعة مستمرة للروح, وتمحيص دائم للمحبة, وتجل متراحب الافاق لسماحة الخلق وكرم النفس على نحو تكون اقرب شيء فيه الى البحر الذي لا تكدّره الدلاء, والى السماء الصافية التي لا تتلبث قطع السحاب فيها ولا ريثما تتلاشى.
يقول حكيم هندي إن كلمة «آسف» غير موجودة في قاموس الصداقة.
ولعل هذا أن يكون موضع تدبّر واعتبار لأولي الابصار, أو أن يكون مدار تأويل وتعليل لاصحاب الضمائر والعقول..