الناس الذين يأتون الى جبل اللويبدة هذه الايام من غير قاطنيه عموما ينقسمون الى فئتين: نهارية ومسائية.
أفراد الفئة الاولى يسألونك عن دائرة الاراضي ومكتب تحصيل المسقفات ومستشفى لوزميلا والسفارة الايطالية وصندوق اموال الايتام ودائرة الامتحانات والمركز الصحي والطريق الى وسط البلد أو جبل عمان. افراد الفئة الثانية يستفسرون عن الاماكن التي يجدون فيها الطعام والشراب والارجيلة.
تجمع أفراد هاتين الفئتين مشكلة واحدة هي العثور على مواقف لسياراتهم. لكن مشكلة عشاق الليل ومحترفي السهر والسمر أكبر وأخطر لأنهم يحتاجون لقضاء وقت أطول بكثير من زوّار الفترة الصباحية، للتنفيس عن طاقاتهم ، اضافة الى ما يترتب على ذلك من منغصات متكررة تتمثل في ازعاج السكان الامنين بأصوات مشاداتهم الكلامية وضجيج محركات سياراتهم المستمر حتى طلوع الفجر، ومخلفاتهم الورقية والبلاستيكية والزجاجية وغيرها من فتات طعامهم في الزوايا المعتمة.
هناك من يقول وهو على حق بأن بعض الملاّك يستفيدون من ارتفاع قيمة عقاراتهم نظرا للاقبال المتزايد عليها ، ومنهم من رحل مع عائلته الى أماكن أخرى بعيدة ، فبات بمنأى عن تلقي الضربات مكتفيا الان بعدّها وهذا من شأنه وحقه أيضا. لكن تقرير مصير ومسار منطقة سكنية بكاملها في اي مدينة هو من شأن واختصاص البلديات وليس المواطنين سواء كانوا مستأجرين أو مالكين. من ناحية أخرى يستطيع صاحب اي مشروع تجاري أو استثماري توفير كل ما يلزم لمشروعه من ماء وكهرباء وشروط بناء ما عدا مواقف السيارات لزبائنه. وهنا يحضر الحل السحري الذي يرضي الاطراف الثلاثة: المالك والمستأجر والامانة ، المتمثل ببساطة بدفع رسوم خاصة للأمانة ، المخوّلة بذلك حصريا ، مقابل تأجير أصحاب المشاريع الاستثمارية تلك مواقف للسيارات في الهواء!
هنا نسأل: هل يجرؤ مثلا، واحد من عشاق الليل ومحترفي السهر والسمر ان يمر بسيارته قرب بيت مسؤول بالامانة بتلك السرعة وبذلك الضجيج ؟ هل يستطيع ترك سيارته قريبا من منزل أحد أولئك المسؤولين ناهيك عن مدخل بيته ؟ لماذا على المواطن المسالم الامن في بيته والذي يدفع الضرائب وفواتير الكهرباء والماء بانتظام ، متكئا على راتبه التقاعدي ، ان يتحمل مثل هذه الاعتداءات على حريته وحقوقه وراحته البدنية والنفسية ومعه أفراد عائلته، الصغير منهم والكبير وقد يكون بينهم المريض ، من أجل تفريغ نزوة محترف للسهر وغاو للسمر أو سائق دراجة أو مركبة تصدر هديرا يشبه زمجرة الطائرات الحربية وهي في طريقها الى المعركة؟
توشك ، ايها الاخوة والاخوات ، أطياف الثقافة والأدب والفن وتقاليد حسن الجوار على الرحيل عن جبل اللويبدة حيث باتت مواقع متزايدة آمنة ومسالمة محاصرة من قبل طلاب السهر والسمر وعشاق الليل ، لأن الجهات المعنية ببساطة لا ترى ضيرا في ذلك ، خاصة وان استيفاء رسوم بدل مواقف السيارات في الهواء مشروع ومقنن!
عدد من يسأل عن موقع الحواضن العريقة للفن والأدب والفكر والابداع كالمتحف الوطني للفنون أو دارة الفنون أو دار الاندى أو مسرح اسامة المشيني أو الجمعية الفلسفية وغيرها في تراجع مخجل. ولعل اليوم الذي لن يسأل فيه أحد عن أي من هذه المواقع ليس ببعيد. فالى متى نلوذ بالصمت وضبط الاعصاب ومعنا أصدقاء كثر وناشطون وأصوات عن المنطقة في مجلس أمانة عمان التي تجيز الرخص وتحجبها بدون أسس مقنعة ، تارة باسم المحافظة على التراث ، وتارة باسم تشجيع السياحة والاستثمار.
باتت خيوط النسيج الاجتماعي المتناغم في أعرق أحياء عمان السكنية الوادعة تتفسخ تحت وطأة غزوات خفافيش الليل المتكررة مقابل حفنة سحرية من الدنانير قادرة على اكتشاف مواقف للسيارات في الهواء!.