اعتقد أن محمد أركون، رحمه الله وغفر له، كان يمثل حالة نفسية تستوجب الدرس قبل ان يمثل جهةً تمتثل لمنطق الحوار. وإن في بعض مواقفه ما يعكس واقع طائفة من الذين يرون انهم بسبب من انضوائهم الى مؤسسات اكاديمية غربية قد حققوا فارقا معرفيا على ابناء امتهم يخوّل لهم ان يصرحوا بما صرح به اركون حين يقول: إنني اخشى ان يجد القارئ العربي الاسلامي صعوبة في فهم مقصدي العميق وتفكيري.
لقد وَهِمَ هذا المنخرط في ثقافة الاستشراق ان له درجة على ذلك «القارئ العربي الاسلامي» ببعض ما حصّله من لغة الغرب وثقافته وكأنما لم يكن على بال منه ان شارح ارسطو الاكبر القاضي والفقيه والكلامي المسلم «ابن رشد» لم يكن يتقن الا العربية الشريفة وانه، وعلى الرغم من تتلمذ اوروبا على شروحه لم ينظر بمثل زهو اركون الى عَطِفيه، ولم يبلغ به الامر ان يتساءل قائلاً كما قال اركون في اوساط الاستشراق الاستعماري: «كيف يمكن لنا ان نفكك عن طريق معاول النقد العلمي هذا الاسلام الملاذ، هذا الاسلام الملجأ والوسيلة، في الوقت الذي يشكل الامل الوحيد بالنسبة لملايين البشر من رجال ونساء»، ثم ان يطوّح بيديه استيئاساً ان حيرته و»بليته» تكمن في انه (لا نستطيع ان نقدم عنه بديلا ذا مصداقية) «انظر كتابه: الاسلام، اوروبا، الغرب، ص86».
لقد سبق اركون الى الدراسة في اوروبا عالمان جليلان هما محمد حسين هيكل صاحب كتاب «حياة محمد»، ومحمد عبدالله دراز صاحب كتاب «دستور الاخلاق في القرآن» وكتاب «النبأ العظيم»، ولكنهما لم ينطويا على مثل مقاصد اركون و»عميق تفكيره» العجيب الذي تبدى اكثر ما تبدى في حواره مع رئيس الحزب الليبرالي الهولندي «بولكستاين» المثبت في الكتاب المذكور آنفاً والذي يوافق فيه اركون محاوره على انكار صلة النبي ابراهيم بمكة المكرمة دون اي دليل من «مناهج العلوم الاجتماعية» او «المضامين التاريخية الموضوعية»، التي طالما تفاخر اركون باحتقابها، وبتأمين – من قول «آمين» – يكاد يكون ذاهلا لما كان قاله طه حسين في كتابه – الذي تراجع عنه – «في الشعر الجاهلي» في عشرينيات القرن الماضي، والذي جوبه بردود علمية مُفحِمة لعدد من العلماء والمفكرين في مصر والعالم العربي.
لقد سأل «بولكستاين» اركون، بل لقد حاصره بسؤال مباشر عمّا اذا كان يوافق على ان ما جاء في القرآن عن اسكان النبي ابراهيم لذريته في الحجاز «بوادٍ غير ذي زرع، عند بيتك المحرم» هو حقيقة دينية لا تاريخية. فلم يكن من اركون الا المراوغة مع ان بامكانه ان يرد سؤال بولكستاين بطلب اثبات ان هذه الواقعة لم تكن «واقعة تاريخية» وذلك اضعف الايمان، ان كان ثمة ايمان، ومع ان الادلة التاريخية «العلمية»، متظاهرة على هذه الواقعة التي اثبتها القرآن الكريم.
ومهما يكن الامر فان «بولكستاين» كان منسجما مع نفسه من حيث هو سياسي اوروبي له بعض إلمام بشبهات الاستشراق الاستعماري، فهو يثيرها على خلفية واضحة في العِداء للإسلام، على حين كان اركون مبعثر الوعي، مجاملاً على حساب الحقيقة، طالباً لرضا «الآخر» بمحو الذات والصفات، وساء ذلك سبيلا..