وكأنَّ تركيا تعاني من حالة «إرتباك» شديد بالنسبة لتطورات ما يسمى :»الأزمة السورية».. فرئيس الوزراء بن علي يلدريم يقول شيئاً ووزير خارجيته مولود أوغلو يقول شيئاً آخر بالنسبة لوضعية بشار الأسد في مشاريع الحلول المتداولة فالأول يقول أن له دوراً في المرحلة الإنتقالية لكن ليس له أي مكانة أو دور في مستقبل سورية بينما قال الثاني أنَّ لا دور ولا مكانة له لا في هذه المرحلة الإنتقالية ولا في مستقبل سورية.
ومشكلة تركيا، التي دفعتها للذهاب هرولة إلى روسيا وإظهار أنها، بعد محاولة الإنقلاب العسكري الفاشلة قد تعمقت وتعززت مخاوفها القديمة من أن تتغير المعادلات في هذه المنطقة فتستجد لحظة تاريخية طارئة قد يستغلها الأكراد – الأتراك ، الذين تذهب بعض التقديرات إلى أنَّ عددهم يصل إلى ستة عشر مليوناً، لإقامة دولتهم القومية المستقلة التي بقوا يسعون إليها خلال المائة سنة الأخيرة.. بل وقبل ذلك خلال المرحلة عندما أصبحت السلطنة العثمانية:»دولة مريضة».
وهنا فإن المفترض أنه معروف أنَّ «تنشيط» حزب العمال الكردستاني – التركي الـ «p.k.k» ، بقيادة عبدالله أوجلان المعتقل الآن في إحدى الجزر القريبة من إسطنبول، من قبل المخابرات السوفياتية الـ»كي.جي.بي» والمخابرات السورية في عهد حافظ الأسد ودفْعه للقيام بعمليات عسكرية ضد تركيا العضو الفاعل المؤسس في حلف شمالي الأطلسي كاد أنْ يؤدي إلى حرب سورية – تركية طاحنة لو لم يذعن الرئيس السوري السابق لإملاءات أنقرة ويبادر إلى طرد زعيم هذا الحزب ومؤسسه وحيث تلقفته مخابرات الأتراك وأختطفته من إحدى الدول الإفريقية ونقلته حيث يقضي حاليا فترة حكم مؤبد في سجنه في الجزيرة المشار إليها آنفاً.
ويقيناً أنَّ مخاوف الأتراك تجاه هذه المسألة محقة بغض النظر عن أن هناك من يرى أنه يحق للأكراد، إنْ في تركيا وإنْ في إيران وأيضاً إنْ في العراق وسورية، ما يحق لغيرهم من تقرير لمصيرهم وإقامة دولتهم أو دولهم المستقلة، إذْ أن إقامة دولة قومية لهؤلاء الذين يقال أن عددهم يقدر بنحو ستة عشر مليوناً سيؤدي إلى إنشطارات كثيرة في الدولة التركية التي تضم أقليات كثيرة من بينها عرب لواء الإسكندرون الذي أصبح إسمه الآن :»هاتاي» والمعروف أن هذه التسمية كان وافق عليها حافظ الأسد قبل موافقة ولده بشار.
لقد بقيت تركيا وعلى مدى القرن الأخير بكل سنواته محمية تجاه هذا «الهاجس» المرعب بمعادلة دولية كانت موازين القوى فيها إلى جانب حلف شمالي الأطلسي بدون أي منازع لكن ما حدث من إهتزازات فعلية في هذه المعادلة في السنوات الأخيرة ونظراً لإغلاق الإتحاد الأوروبي أبوابه في وجه رجب طيب أردوغان قد دفع هذا الرئيس التركي تحت وطأة مخاوفه الكثيرة إلى إعادة النظر بكل سياساته وكل مواقفه ودفعه إلى الذهاب «هرولة» إلى بطرسبورغ حيث تم الإعلان من هناك عن التحالف الروسي – التركي – الإيراني الذي لا يمكن إنكار أن الرقم الأضعف في معادلته هو الرقم التركي.. والأسباب هنا واضحة ومعروفة !!.
إنَّ هذا هو واقع الحال وحقيقة أنَّ رجب طيب أردوغان الذي تردت علاقاته مع الولايات المتحدة ومع أوروبا ومع حلف شمالي الأطلسي يجب أن يضع في إعتباره وقد إستدار كل هذه الإستدارة الخطيرة أنه لا الروس ولا الإيرانيون... وأيضاً ولا نظام بشار الأسد سيتخلون عن حزب العمال الكردستاني – التركي الـ «p.p.k» ولا عن التلويح دائماً وأبداً بإقامة دولة كردية وذلك لمواصلة الضغط على تركيا وللإستمرار في إبتزازها لإتخاذ مواقف لا تتفق مع قناعتها وكموقفها المستجد الأخير المتأرجح تجاه الأزمة السورية .