ثمة كتب قيّمة لم تلق ما تستحقه من اهتمام. وثمة كتب لا تستحق الاهتمام الذي لقيته. ونملك بالدرس والمتابعة أن نتعرّف الى الاسباب التي تأدت الى كل من الحالين الاولى والثانية. وهي لا تخرج في مجملها عن فساد الحياة الادبية والسياسية في أمة العرب, وغياب الموازين القسط فيها واختلاط غثها بسمينها وحابلها بنابلها وما يراد لها من الضلالة عما يحييها ويقيمها سويّة.
ولو أن جهة ما تقوم اليوم باستطلاع نزيه في الجامعات العربية حول اكثر الكتب اهمية في اوساط الطلبة وأكثر الكتاب تأثيراً فيهم لكان لنا من ذلك صورة منبئة بقصور مناهج التدريس عن ان ترسم افقاً ثقافياً أو عن أن تحفز الهمم الى القراءة.
أما اذا اشتمل الاستطلاع على اسئلة حول كتّاب أو أدباء أو فلاسفة مثل أحمد أمين أو مصطفى صادق الرافعي أو عباس محمود العقاد أو زكي نجيب محمود أو فؤاد زكريا أو حسن حنفي أو سحبان خليفات أو فهمي جدعان أو أديب عباسي أو خليل السكاكيني أو راضي صدوق أو فايز محمود أو عبدالحليم عباس أو حسني فريز أو عمر أبي ريشة أو محمد الشريقي أو مصطفى وهبي التل, أو غير هؤلاء ممن يفترض أن تكون مناهج التدريس قد أتت على ذكرهم في مراحل التربية والتعليم المختلفة.. أقول: إن مما سنخرج به من مثل هذا الاستطلاع ان اجيالاً من طلبة جامعاتنا تتمتع بأميّة ثقافية لا تملك معها ان تقيّم كاتباً أو كتاباً أو حتى مقولة فكرية أو نقدية أو سياسية. وهي تنتقل –بهذه الكفاءة المشهودة – من مرحلة الى التي تليها, وتظفر بالاجازات الاكاديمية, وتحسب أعدادها لدى الحديث عن التطوّر العلمي والثقافي, كما تحسب ايضاً لدى الحديث عن استفاضة التعليم الجامعي الخاص وفي سياق المباهاة بما انجزناه من ذلك!
ولقد يقول قائل إن الوعي والثقافة من مسؤولية الاعلام والمؤسسات الثقافية المرخّص بها بحسب القوانين. ولكن الواقع منبئ بغير ذلك, حتى ليمكن القول إن كثيراً من المشتغلين بالثقافة والاعلام لا يستطيعون – إلا نادراً – ذكر اسم كتاب أو اثنين لأي من الكتاب والمفكرين والفلاسفة الذين أشرنا اليهم آنفاً.
إن قصارى ما سنحظى به هو الاستعانة بما تتيحه (غوغل) من معلومات لا تسمن ولا تغني من فقر معرفي, وهي «حيلة المُفلس» كما يقال, وكم للافلاس العقلي والذوقي اليوم من تقنيات.