عندما فكر أحد الاصدقاء ببيع سيارته التي جابت شوارع وطرقات عمان وضواحيها ، نزلاتها الحادة وطلعاتها القوية ، لمدة تجاوزت العقدين من الزمن طلب مني أن أطبع له اعلانا مختصرا بالانجليزية ليلصقه على زجاج سيارته. ولما سألته ولماذا بالانجليزية ، اجاب بعفوية :لا ادري ، أليس هذا ما يفعله الناس؟
سؤالي الثاني له كان وهل تتوقع ان أحد الاجانب المقيمين قد يكون بحاجة لسيارة مستعملة سيقوم بجولة في شوارع عمان وسيمر قرب منزلك ويجد سيارة أحلامه معروضة للبيع ؟ فعلق مبتسما : هذه السيارة لن يشتريها الا واحد شبه طفران مثلي!
موقف صاحبنا أوقعني في حيرة : هل هو أحد ضحايا الانفصام الثقافي وبلا وعي منه طبعا ، أم انه يدرك فعلا ما يسميه البعض بفوائد التوأمة بين اللغات والثقافات ، علما بأنه غير ملم باللغة الانجليزية الا قليلا. لكنه بدا مقتنعا بأن الاعلان عن بيع سيارته بتلك الطريقة سيضفي المزيد من الهيبة على سيارته!
هذا الموقف ذكرني ايضا بمشاهد ومظاهر أخرى منتشرة في مدننا وخاصة عمان ، حيث الاعلانات التي تروج لبضائع أو منتجات أو خدمات تستعين كلها باللغة الانجليزية بطريقة أو أخرى ، علما بأن القراء المستهدفين والزبائن والمراجعين هم كلهم من هذه الديرة ولم يهبطوا علينا من الفضاء.
حتى اصغر المحلات التجارية يفضل اصحابها اليافطات الصغيرة الحجم على ابوابهم مثل «مفتوح» أو «ادفع» أو «أهلا وسهلا» أو « نعتذر للاغلاق « وغيرها باللغة الانجليزية. واخرون يعلنون عن تنزيلات كبرى على بضائعهم وكأن وقع كلمتي «بيغ سيل» على الناس سيكون مقنعا أكثر. كذلك يفعل اصحاب العقارات المعروضة للايجار أو البيع. وعندما تشاهد على التلفزيون الاردني مباراة بكرة القدم أو السلة أو الطائرة بين فريقين محليين حتى من الدرجة الثالثة تلاحظ ان اسماء النوادي واللاعبين قد طبعت باللغة الانجليزية على الصدور والظهور ، ناهيك عن ان بعض الاسماء العربية عندما تطبع بحروف لاتينية أو تترجم تتحول الى شبه طرفة. احد الفنادق السياحية وسط البلد مثلا كتب على يافطته بالانجليزية ما معناه ان غرفه «متكيفة» مستخدما عبارة ADAPTED ROOMS وهو طبعا يقصد ان الغرف مجهزة بالمكيفات!
كذلك لا ننسى العدد الكبير من محطات الاذاعة المحلية التي تركب موجات ال ( اف. ام) حيث يكاد لا يخلو حوار بين اثنين على الهواء من جمل تنساب كما تنساب مياه الجدول الرقراق على ألسنة المتحدثين ، تتماوج فيها المصطلحات العربية والانجليزية وتتداخل بل وتتراقص أحيانا ، كما يفعل الاشقاء اللبنانيون والجزائريون والمغاربة مع اللغة الفرنسية ، وكما كان يفعل البرجوازيون المصريون في النصف الاول من القرن الماضي.
الخلاصة هي ان هذه الممارسات أو العادات اصبحت مكونا وجزءا طبيعيا في تعاملاتنا اليومية وتفكيرنا وثقافتنا الاجتماعية لدرجة ان الجهات المعنية بالجوانب السلبية والغيورة على نقاء اللغة الام قد استسلمت هي أيضا للواقع ، وما عادت تملك أية وسيلة أو قدرة على تشخيص هذه الحالة الثقافية الجديدة ، في شخصيتنا العامة والخاصة ، والتي باتت تتأرجح كبندول ساعة سويسرية بين الانفصام والتوأمة .
تبقى اللغة ، أية لغة ، وبالرغم من هذا كله ، سلاحا حاسما قد يساعد على كشف العدو واكتشاف الصديق والحصول على المعلومة وتمريرها. وهناك من يقول ان كل لغة جديدة يتعلمها الانسان هي بمثابة انسان جديد يخلق. ولكن ما يبدو بديهيا هنا يشكل صلب المشكلة في ذات الوقت. فاذا كان الانفصام يشترط وجود شخصيتين متناقضتين ، كذلك التوأمة تحتاج لطرفين يقومان تبادليا بنفس العمل. فهل يتعامل الغير مع لغتنا كما نتعامل نحن مع لغته؟