بوح القرى.. أحد عشر عاماً

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:00 16-8-2016
1105

كان لا بد من استراحة مراجعة، لتكون العودة الى «بوح القرى»، أكثر زخما، وحضورا، كمشروع يوثق لكل تفاصيل الوطن، بقراه، ومدنه، وأحداثه، ووثائقه، وتاريخه، وواقعه، وما كتب عنه، وما لم يكتب بعد.

إنها محاولة جادة للكتابة، للتوثيق، للحديث بلسان البلاد، كل البلاد، لتكون منمنمات الكتابة هذه لوحة مكتملة في النهاية، يمكن الاضافة عليها، لتزداد صدقا، وحقيقة ووضوحا، وجمالا، وإلا ما فائدة التغزل بالوطن، إن لم ندون كل تفاصيله، وماضيه وحاضره والمامول في مستقبله، وهذا ما كان من «بوح القرى»، ليست ثرثرة على النهر، ولكن تأملا لكل قطرة ماء فيه، ولا هي قصيدة في ليل صحراء، بل تدوين لكل ذرة تراب هناك، وما كانت لافتة صماء في مدينة، بل هي نقوش راسخة على الجدران والبيوت والدروب.

مغامرة توثيق الذاكرة

كان تشرين ثان عام 2005م، هو الشهر الذي انطلق فيه مشروع «بوح القرى»، كتابة موسوعة القرية الأردنية، البدء بمغامرة توثيق ذاكرة تلك الأمكنة بكل تفاصيلها، وتداعيات حضورها، من تاريخ شعبي، وتاريخ رسمي، وتاريخ شفوي، من آثار، وانثروبولوجي، وجغرافية، وتراث شعبي، وتتبع لبدايات الأشياء في تلك القرى: أول طالب، وأول معلم، وأول عسكري، وأول دكان، وأول طبيب، وأول مدرسة، وأول مجلس قروي، وأول، واول، كل تلك الأشياء نحاول ان نوثق بداياتها، ليكون هناك أثر مكتوب عن الرواد في تلك القرى، مثلما هناك كثير من الكلام عن الرواد في المدن، وفي الوطن اجمع، إذ أن لهؤلاء حقا علينا، وجهدهم مضاعف في تلك الأمكنة القريبة أو النائية، في زمن كان كل شيء فيه شحيح، واستطاعوا أن يبنوا تلك القرى، رغم ضيق ذات اليد، وقلة الإمكانيات.

ولعل هذه العودة، بعد استراحة شهرين، وما انقطعت صفحة «بوح القرى»، طيلة الاحد عشر عاما الماضية، هذه المدة من الزمن، ولكن «رب ضارة نافعة»، وفي الفم ماء، لكن لأن هذا المشروع يستحق التضحية، ومغامرة الاستمرار فيه، ها هو المجلد الثالث من موسوعة القرية الأردنية (بوح القرى) يصدر الآن (عام 2016م)، بعد أن صدر المجلد الأول (عام 2008م)، والمجلد الثاني (عام 2010م)، وفي كل مجلد هناك بوح تفصيلي حول ثلاثين قرية، وبذا يكون التوثيق لتسعين قرية في مجلدات علمية، مع صور وكشافات، وهوامش، وفي جعبة أرشيف البوح، وثائق، ومادة مكتوبة، لعشرة مجلدات أخرى، حين يتم نشرهان يمكن الحديث عن اكتمال مشروع موسوعة القرية الأردنية، وهذا يتطلب ربما، التفات جهات لديها الامكانيات المالية والفنية، لمأسسة المشروع، لأنه يوثق لوطن بأكمله، بكل مدنه وقراه، وكل فسيفساء شعبه الطيب الكريم.

منهجية البوح

وعن منهج مشروع كتابة «بوح القرى»، يقول الأستاذ الدكتور سالم ساري (أستاذ علم الاجتماع في جامعة فيلادفيا)، في تقديمه للمجلد الثالث من موسوعة القرية الأردنية (بوح القرى):

«إذا كان يمكن للسرديات الأدبية أو الكتابات التاريخية والدراسات الأنثروبولوجية أن توجد منهجاً جديداً مشتركاً، فان مفلح العدوان يقف في طليعة الباحثين الذين يتجهون نحو هذا المنهج الإنساني الثقافي الجديد.لا يغرق باحثنا،الأديب الروائي الشاعر، في تيه الرومانسية الحالمة، وإنما يسيطر عليه الواقع القروي الماثل أمامه بكل تجلياته.

ولا يكتب باحثنا، المأخوذ بمجد التاريخ وعزِّه، بطريقة تاريخية جامدة، فهو لا ينشد الموضوعية التاريخية في حد ذاتها، وانما هو يعلن إنحيازه الى المكان.

ولا يكتفي باحثنا بإعادة توثيق أو تدوين ما تراكم من الإكتشافات الآركيولوجية والمعارف الإستشراقية عن قرانا الأردنية، وإنما هو يعيد اكتشاف تلك القرى الأردنية عن كثب: دون تشويه أو تضليل،دون تضخيم أو تبخيس،ودون عقد نقص أو مزاعم تفوق.

وهو يكتب عن القرية التاريخية، لا يحنطها في تاريخ حجري متصلب. وانما، وهو يوثق لسيرها الذاتية، يتحرك بتحركاتها ليحيط بتغيراتها وتطوراتها وتحولاتها الرئيسية في محطات تاريخية رئيسية إلى ما هي عليه اليوم.

فهو يرسم خرائط إجتماعية ثقافية للقرية الأردنية (التاريخية) المتغيرة، بإحداثياتها الكبرى:

التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، الأصول والمنابت، الهجرات والإمتدادات، للعائلات والعشائر والقبائل.. المجتمع المدني، الجمعيات والروابط.. النوادي والمنتديات..الخ.

مفلح العدوان الباحث مسكون بسحر الأنثروبولوجيا الميدانية، لا يكتفي بتسجيل ملامح ووقائع ومجريات الحياة في القرية، وانما هو يصر أن يكون نفسه جزءاً من البحث، يلاحظ ويشارك في صنع الأحداث والظواهر والوقائع القروية الجديدة.

وفي كل ما يفعل،لا يعاين مفلح العدوان مكانآ عن بُعد. وأعرف أنه لم يكتب ولو عن قرية واحدة دون أن يذهب اليها مهما بعدت..يعيش فيهاويعايشها. يشتمّ فيها (كما كتب لي مرة في إهدائه أحد أجزاء موسوعته) « ما تيسر من رائحة التراب، وعبق الطيبين»!!.

وفي أجواء نادرة من الألفة والحميمية والحب الأسطوري (كتلك التي أقامها جلجامش في مدينته أوروك) تروي له قراه الأردنية قصتها، تبوح بأسرارها، تشكو له غدر الزمان، وقسوة الإنسان.

إنها منهجية «البوح الذاتي» المحببة التي يلخصها مفلح العدوان -عرضاً – وهو في حضرة إحدى قراه المحببة:فيض من البوح،واسترسال في كتابة تفاصيل المكان، حيث الأزمنة تتداخل. وفي ذات هذا السياق، توجد لتلك الملامح أسرارها التي

تريد أن تعبر بها عن كينونتها».

حَبّات العقد

هنا.. بين دفتي المجلد الثالث من موسوعة «بوح القرى»، بوح آخر، يعبر عن زخم تاريخ مشرق، وذاكرة ثرية، تؤشر الى ثلاثين، هي حبات عقد هذا الكتاب، والمكونة من كل من قرى: ابدر، أبو نصير، أم حماط، أم النعام، أيل، باعون، بير مذكور، بيرين، الجربا، حرثا، الحسا، ذات رأس، رحاب، الرشايدة، الرصيفة، الرميمين، زملة الطرقي، السخنة، صويلح، عراق الأمير، عنجرة، عيمة، الكرامة، كفر خل، الكفرين، لب، ماعين، مكاور، النبي هود، اليادودة.

وهناك غير هذه قرى أخرى، وأماكن تم تدوين بوحها، هي مادة جاهزة، لعدة مجلدات أخرى، حيث أن كثيراً من تلك القرى لم يصلها باحث، ولا دارس، ولا صحفي، وكانت مهيأة للحديث، متعطشة لأن تقول ما لديها، وعندها الكثير مما تبوح به. وهناك قرى أخرى، توقفت الكتابة عنها، مع آخر رحالة، أو مستشرق غربي زارها في بداية القرن الماضي، رغم ما تقلب عليها من تغيرات على المستوى الاجتماعي، والثقافي، والمكاني، لذا فقد كان البحث عن هذه القرى، والوصول اليها، والكتابة الميدانية عنها، أولوية عند تدوين «بوح القرى».

تفاعل إيجابي

وحيث أن مشروع بوح القرى مستمر، وعجلة قطاره ستصل كل قرية من هذا الوطن، نتهيأ في الانطلاقة الجديدة للبوح، للوصول الى قرى أخرى ندون تاريخها، وذاكرتها، نكتب ما تيسر من بوحها، نحاول تتبع ما كانت عليه، في ماضي الزمان، وما هي عليه الآن، نجلس مع كبارها، وحكمائها، وحافظي ذاكرتها، ونوثق جوانبها المختلفة، بالكلمة، والصورة، بموازاة بحث علمي عما كتب عنها، إن توفر هذا في بطون المراجع، وعلى صفحات الكتب، وليكون بعد ذلك تفاعل ايجابي مع ما يتم كتابته، من ناحية التصحيح، والإضافة، والتدقيق، وقد كانت تجربة السنوات الماضية ايجابية من هذه الناحية، حيث الرسائل التفاعلية، والوثائق، والأحاديث المختلفة التي صبّت باتجاه كتابة توثق كل جوانب القرى، بحد أعلى من المصداقية والدقة والموضوعية.

حنجرات السرد

هذا المكان الصامت..

وتلك الحجارة المتناثرة فيه على شاكلة أطلال حينا، وآثار أحيانا أخرى، هو يحمل في طياته حنجرات تردد سرد ما خفي في باطن هذه الأرض من أسرار معتقة، وتاريخ عريق، وروح حية تخفق في داخله، فتستفز المريد كي يعيد قراءة كل ذرات التراب بما حوى..

هذا المكان..

صار لا بد من التنقيب عميقا في صحرائه، ونهره، وغوره، وسهوله، وجباله، كي يتم إماطة أقنعة السطح الزائف بعيدا، ليتسنى تبين ملامح حياة كانت تواطن هذا الثرى فتصنع تفاعلاتها فيه مصائر أمم، دون انقطاع عن التماس مع الحضارات والثقافات التي داهمت الأرض، هنا، والتي أقام بعضها، وبعض أخر مرّ، مثلما احتدمت صراعات إمبراطوريات كبرى على ثراه، غير أن كل هذه الفسيفساء الحضارية تركت آثارها على الرمال والحجارة والقرى والمدن والصحارى فيه.

مهابة الحجر

ليس من الممكن فهم المكان الأردني إلا إذا تم إعطاء القيمة لكل عنصر من عناصر الطبيعة فيه، فإذا كان الماء مقروناً بالنهر، «نهر الأردن»، والملح مرتبطاً بالبحر، «البحر الميت»، كأخفض بقعة جيولوجية موجودة على سطح الكرة الأرضية، فللحجر أيضا قيمة ودلالة تزيد على كلا العنصرين السابقين، خاصة عند الوقوف بمهابة أمام البتراء، حاضنة الحضارة العربية التي كانت مهدت للحضور الفعلي لزخم الهوية العربية كونها عاصمة مملكة الأنباط التي تشكل فيها الرسم الأول للأبجدية العربية من خلال الحرف النبطي، وفيها أيضا عاش احد عشر ملكا هم قوام تلك المملكة، وقد كان هؤلاء الملوك يجسدون في لحظات السلم والحرب من عام 500 قبل الميلاد وحتى عام 106 ميلادي مراحل المواجهة والحفاظ على الهوية العربية أمام موجات الهجمات العبرانية تارة،و الفرعونية تارة أخرى، والرومانية في مراحل كثيرة.

حكمة الصحراء

أما الصحراء ..

هذا الامتداد المسكون بالتراب البكر الذي ضم في جنباته أسفار تاريخ الثموديين، والصفويين، فقد كان قادرا على صياغة جزء من تاريخ المنطقة، بعبقرية الموقع، عندما حضن مدنا كانت حواضر امتدت بعد ذلك لتطال الحضارات القادمة الأخرى، كما أنه احتوى بحكمة صمته تداعيات الخلافة الإسلامية كأنه يشكل عمقا بيئيا ومعنويا لنسيج الوفاق أو الخلاف في الحجاز، إذ أن «الحميمة»، القرية الواقعة جنوب الأردن، كان لها فضل حضانة بداية الخلافة العباسية، وكان بها ميلاد ثلاثة خلفاء عباسيين، ومنها انطلقت ثورة بني العباس، بعد أن واطنها سنين عددا، وزرعوها، وأقاموا قريتهم هناك على اثر نبطي قديم كأنهم يحيون ميراث العرب الأوائل هناك.

وقبل ذلك، وليس بعيدا عن الحميمة، قريبا من البتراء كانت اذرح، مكان جبل التحكيم، حيث صيغت فيها أهم مفاصل الدولة الإسلامية، والتي منها استمدت الخلافة الأموية مشروعيتها واستمراريتها..

ويتسع فرجار الذاكرة بعد هذين المعلمين الذين أسسا لتكون الصحراء الأردنية منتجعات، وحصونا، ومنارات، بدل أن تتلفع بغلالة الجفاف فصار القصور الصحراوية في غير مكان فيها كالمشتى ، والقسطل ، والموقر ، والرقيم ، والخرانة ،وعمرة.

ما وراء الكلمة

وأيضا.. هناك غير هذا الكثير، وما هذا البوح، وتلك النتف والإضاءات حول تداعيات قيمة المكان، إلا تلخيص سريع لعظمة المخبوء في هذا الوطن، حيث أنه تحت كل كلمة كتبت، هناك العديد من التفاصيل والكثير من القصص والحكايات التي تؤدي بمجموعها إلى بناء معمار الزخم المكون للمكان الأردني، ليس جغرافيا فقط، وإنما دلاليا ومعنويا أيضا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }