ها أنا أجلس خلف مقود سيارتي في ظهيرة هذا اليوم الصيفي الحار وقد علقت في أزمة سير خانقة جديدة عند تقاطع رئيسي في عمان. خلفي وأمامي عدد كبير من السيارات من كافة الاصناف والالوان والاحجام تنفث دخانها الاسود في الهواء. زوامير احتجاجية تنطلق بين الفينة والاخرى علّ شرطي المرور يسمعها فيستجيب ، لكن لا شيء يتحرك!
مع ذلك ترى بعض السائقين يتسلّون بأجهزتهم الخلوية ويتابعون أخر «مسجات» اصدقائهم ، البعض الاخر منشغل بمكالمة ، وأخرون يستمعون لاذاعة محلية تبشرهم بانخفاض بسيط على درجات الحرارة خلال اليومين القادمين. لكن معظم السائقين العالقين يعانون من مشكلة مشتركة: فسياراتهم غير مكيفة والحرارة داخلها تشبه غرف «الساونا». وهناك مواعيد تقترب مع أصدقاء أو شركاء في جزء اخر من المدينة: في بيت أو مكتب أو مستشفى أو مقهى!
للحقيقة نحن معشر السائقين عموما نوزع اللوم والانتقادات ، لما نعانيه من احباط وعجز ، بنسب متفاوتة ولكن بسخاء على الجهات الحكومية المعنية لتكرار هذه الظاهرة اليومية المزعجة. فمرة نضع اللوم على الطرقات والبنية التحتية ، وتارة على الاشارات الضوئية وهندسة المرور ، وحصة الاسد تنهال دوما على شرطة السير بكل مرتباتها! لكن لا أحد يتذكر دوره الفردي هو في خلق أزمات السير هذه ، لأن كل واحد منا يحاول المرور قبل غيره للوصول الى هدفه وبأسرع ما يمكن. خاصة ان الامر لا يخلو من سائق عجول يتواقح في زج أنف سيارته في المسار المجاور لسبب غامض لا يعرفه الا هو!
فكرت في جلستي المملة تلك أن انزل من سيارتي واذهب للتحدث مع شرطي المرور الذي يتحكم بنا نحن معشر السائقين العالقين عند ذلك التقاطع ، لعله يشرح لي كيف تدار هكذا عملية لتنظيم السير؟ كان الشرطي يبعد عن سيارتي حوالى 50 مترا ولكنه وعلى الرغم من الظل الممتد تحت الجسر كان يقف في مواجهة اشعة الشمس يتنقل من جهة الى اخرى من الشارع لتنفيذ التعليمات الهابطة عليه بواسطة الجهاز.
لكنني قبل ان أحزم أمري وأعبر الشارع باتجاهه توقفت قليلا مستفيئا بالظل المنعش تحت الجسر العريض ، وتأملت ملامح وتفاصيل شرطي المرور الشاب عن كثب !
تساءلت كم من الوقت مضى وهو على هذا الحال يعبر الشارع جيئة وذهابا يحاول ان ينفذ تعليمات الضابط المسؤول عنه ؟ ألا يعاني من العطش أو الجوع أو التعب ؟ كم لترا من العرق تصبب على جبينه ورقبته وهو يلّوح بذراعيه طول فترة دوريته مطلقا صافرات يضيع صداها في أتون الحر والضجيج والتلوث والتزمير؟ ترى ما حال قدميه اللتين حشرهما منذ الصباح الباكر في حذائه الاسود المغبّر الان ؟ كيف يستطيع هذا البني ادم ان يصمد ومن اي طينة قد جبل ؟ كم يبلغ راتبه الشهري ومتى سيتمكن من اقتناء سيارة خاصة له تشبه سيارتك أو سيارتي ؟ كم وجبة يحتاج لتعويض ما فقده من طاقة اليوم ؟ وأي سرير سيعيد لجسمه التوازن حتى وان حلم أثناء غفوته بأنه اصبح مديرا لدائرة السير؟
لفت وقوفي هناك انتباه الشرطي الشاب للحظة خاطفة عاد بعدها لأداء وظيفته واصدار تعليماته الارشادية بذراعيه وصافرته وعينيه. في تلك اللحظة تبين لي أمراً كان مستترا: هناك من يعرق ويتعب ويعطش ويصبر ، ليل نهار، ليتمكن البعض منا من الوصول الامن الى مقهاه المفضل ليمارس فيه لعبة الشدة ويدخن الأرجيلة ويوزع الانتقادات ورجل على رجل!