تختلف على الامم عصور شتى, فيكون ثمة عصر يقين, وعصر حيرة, وعصر شك, وعصر التياث, ويستخرج كل عصر من اناسه اخلاقاً متفاوتة وانظاراً متكثرة متباينة, ويكون من ذلك - بتراخي القرون وتقادم الاعصار – تراث هائل يتنخّله الدارسون, ويرون الى ما فيه من دلائل (مبشّرات او منذرات) على البنية العقلية والشعورية لبني آدم, وعلى دوائر احتمالات افعاله, بدءاً من اعلى ما يرقى اليه من مقتضى (احسن التقويم) الذي خلق فيه وانتهاء الى ادنى ما يرتكس فيه من مقتضى «اسفل السافلين» الذي قد تردّه اليه جبلّته أو تغمسه فيه ضلالته.
وما بين «المطالب العالية» للأنفس البشرية وبين مطالبها التي يمليها الطين اللازب على قاعدة «الامتلاء والتفريغ», وبمقتضى حكم اللبانات والشهوات التي تنهك العقول وتشلّ الارادات, فإن للمتأمل ان يرى الى اثر الايمان في دفع معنى العبث عن الوجود الانساني, وفي استشعاره لمهمته الكونية, وفيما يتطلبه ذلك من قيم واخلاق.
إن للمادة ثقلها ومحدوديتها, وللحسّ مجاله الذي لا يعدوه, وللجسد تهمته التي ترهق ولا تشبع او ترعوي. وكل اولئك ابواب مغلّقة دون الآفاق التي ينبغي للعقل والروح ان ينطلقا فيها, واسداد مضروبة تحول بين المرء ونفسه, ثم بينه وبين رؤية حقائق الاشياء على نحو ما هي عليه دونما انخداع أو ذهول أو تلبيس.
إن اعظم تجل – في الازمنة الاخيرة – لهذا الانغلاق على المادة والحسّ وجوعات الجسد هو هذه الحضارة الغربية التي اكتسحت بالعولمة الشرق والغرب. وهي في اعتقادنا حضارة كفرت بأنعم الله, ومثلها في كتب الله مثل قرية كان يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فجحدت, وفسق مترفوها فيها, فحق القول عليها.. ولكل اجل كتاب.
والحضارات كألافراد لها آجال تنتهي اليها, ولا ينسئ في هذه الآجال الا إصلاح شامل جذري لسنا نرى له اليوم بشائر ولا ارهاصات, بل نريد مزيد غلو واستغراق, ولا يظلم ربك أحداً.
وعلى ان ما تقدم موئس, وباعث في جوانب منه على الحبوط, إلا أن رؤيته في سياق سنن الله في العالمين, وفي ضوء حكمته اختلاف الليل والنهار اللذين جعلهما الله سبحانه «خلفة» ولم يجعل احداً منهما سرمداً, تفتح باباً للأمل ومنفذاً للرجاء, ومتنفساً للبشرى.
ونحن لا نسئيس- في كل حال – من روح الله, ولا نفتأ نقول إن موعدنا الصبح, الذي هو مقعد الانوار التي نرجو أن تعم العالمين, وأن تدحر الظلمات عنهم..
أليس الصبح بقريب؟؟