آتى الله سبحانه نبيه ابراهيم المنطق السليم حُجّة يعلو بها المشركين ويسفّه اصنامهم, ويظهرهم على بالغ سفههم اذ يعبدونها والنجوم من دون خالق السماوات والارض. وقد حفظ لنا القرآن الكريم امثلة من الحجاج الابراهيمي ومن تأملاته, عليه وعلى نبينا وسائر أنبياء الله الصلاة والسلام, في ملكوت الله. فهي في الكتاب الحكيم لمن يطلبها, وهي ميسّرة للعقول تتدبرها وتستنير بها.
ولقد يكون من اسباب نهضتنا الفكرية ان نربي اجيانال الجديدة على هذا المنطق الابراهيمي, وأن نجعله مدخلاً للعلوم العقلية والفلسفية والعلمية أو نجعله تمهيداً تربوياً لهم ينطلق ببصائرهم من استقراء الظواهر الطبيعية الى استكناه حقائقها وتعرّف اسبابها, الامر الذي يظل يحفزهم الى طلب العلم بما هو فريضة, والى التواصي بالحق بما هو فعل اخلاقي.
ولعلنا اذا نجحنا في هذه المهمة التربوية التعليمية أن نهيء ابناءنا لتحقيق الاصالة والمعاصرة في آن, وللاستمساك بعرى الدين والعلم في الوقت نفسه, ولأن يكون لهم «الميزان» الذي يزنون به الافكار والاشخاص والدعاوى والسياسات, والنور الذكي يستضيئون به في الملمّات الجائحات والظلمات المتكاثفات, وأن يكونوا في الجملة اكثر منا أهلية ذهنية ووجدانية لمواجهة الغاشيات وضروب الائتمار التي سيتعرضون على نحو ما تعرّضنا لها.
واذا كان العقل محسوباً على المرء من رزقه, فإن ذلك هو خير ميراث نتركه لهم, فيملكون به واقعهم ويستشرفون مستقبلهم ويكونون فيهما من المستبصرين.