انتشار القلق لدى العديد من الأردنيين على اختلاف تلاوينهم ضمن الطيف الوطني من حالة (التطرف)، ومدى إمكانية تمددها نحو الداخل الأردني، أو مدى قدرة الأردن على الصمود في وجه انهيارات المنطقة وبعض الأحداث الداخلية، قد يكون فرصة حقيقية لتحديد التطرف والإرهاب كعدوين للأردن، إلا أن تلازم المصطلحين (التطرف) و(الإرهاب) قد يؤدي إلى خلط يمنعنا من التحرك الفعال لمواجهة كلا الخطرين.
ولهذا لا بد بداية من التفريق بين المصطلحين لأن كل واحد منهما ينتمي إلى حقل مختلف عن الآخر، فالتطرف ينتمي إلى الحقل المعرفي والإرهاب ينتمي إلى الحقل السلوكي، ورغم وجود روابط واضحة بين كلا المصطلحين وفاعلية مستمرة بين كلا الحقلين اللذين ينتميان لهما، إلا أن كيفية التعامل مع كل حالة تختلف بناء على طبيعة الحقل الذي تنتمي إليه والآليات الناظمة له.
وفي ضوء ذلك أرى أن التطرف كمنظومة فكرية هي التي يجب أن نستهدفها في الحرب الفكرية، لا الإرهاب ذاته، فالإرهاب، كسلوك، نابع من منظومة فكرية وله تشابكاته المعلوماتية الاستخباراتية و(العملياتية)، ولكنه ينبع أساساً من منظومة التطرف الفكرية.
وبذلك فإن حربنا هذه المرة هي حرب على التطرف كمنظومة فكرية متكاملة، وليس مجرد التطرف الديني، الذي لا يتعدى كونه واحداً من عناصر منظومة التطرف، وإن كان يستخدم كغطاء مقبول لدى فئات عدة لمجموعة من عناصر التطرف الأخرى كالتطرف الاجتماعي والإثني والطائفي والمذهبي، وغيرها من أشكال التطرف، وهو ما يعني أن الحرب هي حرب فكرية في المقام الأول.
الخطورة الحقيقية هي أن التطرف صار يجد الأرضية الثقافية التي يرتكز عليها، وتغذيه وتمده بكل المبررات التي يحتاجها لتبرير وجوده، فظهرت حاضنة شعبية لظاهرة التطرف تأخذ دورها المهم في تغذية ثقافة التطرف من خلال إيجاد بيئة مغذية للتطرف كتعزيز مفهوم الهويات الفرعية على حساب الهوية الجامعة، بالإضافة إلى إيجاد بيئة متسامحة معه.
تتحمل الحكومات المسؤولية عن ظاهرة التطرف، وقد يكون واحداً من أبرز الأسباب التي ساعدت على تنامي الظاهرة هو دخولها إلى مضمار تحديث شكلها وبعض مؤسساتها، مع عدم ترافق ذلك ببرامج تساعد المجتمع على الدخول إلى الحداثة بمفهومها الحقيقي الذي يطور ويغير في بنية المجتمع وفي علاقته مع الدولة ومؤسساتها ومع مكونات المجتمع ذاته وفي أدواته التعبيرية عن هذه العلاقات الجديدة.
فالمجتمع لم يمر بأية تحولات جذرية تطال بنيته ولم يختبر أية تغييرات عميقة من داخله تساعده على تقبل المؤسسات الجديدة من منظومات قانونية أو ديمقراطية أو ما يؤهله لاحترام التعددية والاختلاف، بل تم الاكتفاء بالتغييرات السطحية، والمظهرية الشكلية، كالتغيير الذي أصاب المأكل والملبس وظهور بعض الأدوات اللغوية الجديدة عبر تبني لغة أجنبية أو لهجة جديدة نشأت في كنف هذا (التحديث) تعكس هشاشته أيضاً، كل ذلك لم يقد المجتمع إلى دخول مراحل التطور بل أدى إلى خلق بؤر جديدة للاصطدام داخل المجتمع نفسه.
ومعنى وضعنا التطرف ضمن الحقل المعرفي واعتباره مرضاً معرفياً، فهذا يعني بالضرورة أن نقصان المناعة المعرفية لدى الفرد أو الجماعة هو ما يشكل العامل الأساسي للإصابة بالتطرف، وعليه فإن دور الدولة هنا يظهر بوضوح وجلاء أنه يتركز على ضرورة استعادة الفئات المستهدفة عافيتها المعرفية وتدعيم جهاز المناعة المعرفي لديها.
فتبني التطرف كمنظومة معرفية من قبل بعض الأفراد والجماعات يعود لعدة أسباب، قد يرى البعض أن أبرزها هي الأسباب الاقتصادية، أو كيفية توزيع الريوع في الدولة وعدم كفاءة آليات توزيع الريوع في تحقيق العدالة والإنصاف، وقد يرى البعض أن الأسباب الرئيسة للتطرف قد تكون أسباباً سياسية مثل ضعف التمثيل الشعبي وضعف دور المواطن في صناعة القرار.
ومع احترامي لوجهات النظر تلك، إلا أني أرى أن الأسباب الرئيسة تعود إلى أسباب معرفية وأسباب اجتماعية، فضعف المنظومة المعرفية لدى العامة والنخبة المستحدثة أدى إلى ضعف الجهاز المناعي المعرفي، مما أدى إلى التطرف، وكذلك سرعة التبدل الاجتماعي سواء أكان على مستوى تكوين الوحدات الاجتماعية وأدوارها داخل المجتمع كمؤسسات مرجعية، أو كان على مستوى استحداث مرجعيات اجتماعية جديدة دون قدرة على إحداث التغيير المطلوب على مستوى القاعدة، مما جعلها مستنبتة بصورة غير فاعلة في بيئة اجتماعية رافضة لها.
كما أن انهيار منظومة الثقة بين اﻟﻤﺠتمع والحكومة تعد سبباً إضافياً لتنامي ظاهرة التطرف، فعدم حدوث الإصلاح الاجتماعي القائم على إيمان المجتمع أو معظمه الأعم بمفهوم الصالح العام والمصلحة العليا، وتغليبها على الصالح الخاص والمصلحة الخاصة، أدى إلى ظهور مظلات تمثل هويات فرعية وإعلاء مصلحة هذه الهويات على الهوية الجامعة، فلم يعد المجتمع قادراً على اجتراح الخطوات الإصلاحية الضرورية له لتجاوز منعطفاته، وفقد وسيلته الدفاعية تجاه ما يهدده من (عطب أو خراب) سياسياً واقتصادياً وقبل ذلك اجتماعياً.
فكانت كل محاولة لإيجاد (تحويلات) في طريق الإصلاح أو كل تجاوز لإحداث عملية الإصلاح الاجتماعي أولاً، بذريعة ضرورة الإسراع بعملية الإصلاح، كانت في حقيقتها محاولة تزرع بذور فشلها منذ خطوتها الأولى، وتزيد فرص احتكاك مكونات المجتمع مع بعضها أو مع مؤسسات الدولة بصورة عنيفة دون أن تجد ما يصدها أو يمنعها من تطوير خطاب غاضب وغير متسامح.
كل ذلك أدى، بالإضافة إلى ضرب المنظومة الثقافية والمعرفية، إلى تدمير الجهاز المفهومي لدى فئات المجتمع المختلفة للقائد والنموذج والقدوة والبطل، وهو ما يجب أن تعمل الدولة على استعاده بسرعة، وهو ما يتطلب العمل على آلية عمل إفراز النخب المحلية وتطويرها لتصبح نخباً وطنية يتم إفرازها من الأطراف وتصديرها للمركز، وكل تأخر يرتب خسائر إضافية.
الدولة والتطرف .. المعركة الفكرية بين واقعها وشروطها
11:30 1-8-2016
آخر تعديل :
الاثنين