نزيه أبو نضال - إذا أراد متلقي الدراما التلفزيونية الحصول على متعة الفرجة، بكل ما تحتويه من عناصر الفن والتشويق والاثارة، الى جانب المعرفة الثقافية البسيطة والعميقة، فما عليه سوى مشاهدة مسلسل «عفاريت السيالة»، للثنائي المتميز ، المؤلف اسامة أنور عكاشة والمخرج اسماعيل عبد الحافظ، الذي سبق وقدمناهما الاسبوع الماضي في «كناريا وشركاه»، ومع عكاشة وعبد الحافظ، الثنائي الفني المدهش عبلة كامل واحمد الفيشاوي، أو «رزقة» و«مغاوري»، والى جانبهما كوكبة من النجوم الكبار: صفية العمري وخيرية أحمد وحسن حسني واسامة عباس والوجه الصاعد بقوة زينة أو «أدارا».
ومع هؤلاء مجموعة الفنيين الذين لا ينتبه أحد لوجودهم عادة، كالتصوير والديكور والملابس والموسيقى التصويرية، بما في ذلك اشارة التتر أو ألحان أغنية المقدمة، للفنان عمار الشريعي التي وضع كلماتها الشاعر الشعبي سيد حجاب، والشريعي هو صاحب أجمل بصمات موسيقية في تاريخ الدراما المصرية: رأفت الهجان، الأيام، زيزينيا، أم كلثوم، قاسم أمين.. الخ.. الخ..  
تدور وقائع مسلسل «عفاريت السيالة» في الحي الاسكندراني الشعبي الذي يحمل نفس الاسم، وهو كما يقول عكاشة «الحي الذي الذي خرج منه الشاعر الغنائي الشهير بيرم التونسي ولذلك نستخدم اشعاره في المسلسل»، وهو قبل ذلك يعرف هذا الحي جيدا ويعرف شخصياته ويلتقي بهم كثيرا، فقرر أن يضعهم فوق اوراقه لأنه لا يكتب عن عالم الا اذا كان يعرفه جيدا.. وكان عكاشة قد سبق له واختار الاسكندرية في الكثير من أعماله ومنها مسلسله «زيزينيا» وروايته «أحلام برج بابل».
يقول: «لاني عشت في الاسكندرية فترات طويلة ابتداء من اواخر الأربعينيات واوائل الخمسينيات ورأيت فيها الخواجات والتجار اليهود وركبت ترام محطة الرمل وأحسست بغربة شديدة فيه حيث كان معظم ركابه من الخواجات .. فكان طبيعيا أن اتناولها في العديد من أعمالي وأتناول بشكل أخص موضوع التأرجح بين الجذور والحضارة الأوروبية وهذا ما حاولت أن أقدمه في مسلسل «زيزينيا» في محاولة للبحث عن الهوية».
ويضيف: «.. فالاسكندرية، فضلا عن أنني قضيت فيها فترات من طفولتي وشبابي وتأثرت بها الى حد كبير فهي بالنسبة لي عشقي الكبير، وهي ليست كذلك بالنسبة لي فقط، ولكن أيضا بالنسبة لكل فنان في مصر لأنها مدينة الثقافة والفن والابداع بل انها تعد العاصمة الثقافية الحقيقية لمصر.. فهي مزيج من الحضارات والثقافات.. فهي حالة يعيشها كل من وقع في هواها ولم أصدق حتى الآن أن هناك من نجا من الوقوع في عشقها».. ولعلنا نتذكر هنا مع عكاشة مسلسل «اوبرا عايدة» الذي تدور وقائعه في الاسكندرية، ورواية «رباعية الاسكندرية» للورانس داريل، وقصائد كفافي، وبيرم التونسي، وأحمد فؤاد نجم، وروايتي «ميرامار» و«السمان والخريف» لنجيب محفوظ وروايات ابراهيم عبد المجيد كلها، وأفلام يوسف شاهين «اسكندرية كمان وكمان»، «اسكندرية نيويورك»، «اسكندرية ليه»، و«حدوتة مصرية» التي تدور وقائعها في الاسكندرية كذلك.
ولقد جاء اختيار هذا المكان الاسكندراني الشعبي ليطرح عكاشة من خلاله واحدة من القضايا التي تؤرق الفنان الملتزم وهي قضية العدل الاجتماعي، وموضوعات الصراع الطبقي بين الأغنياء المترفين والفقراء المسحوقين.
 وكي يحتدم هذا الصراع، وفق سياق درامي شديد الدلالة.. فإن الكاتب يختار الأب مصيلحي أو صالح (حسن حسني) من كبار الأثرياء ورجال الاعمال.. فيما يمثل الطرف الآخر الفقير ابنه مغاوري، من زوجته الاولى كريمة، والتي تموت أثناء ولادته.. فتكفله خالته رزقة مع وصية الام بأن لا يعرف الأب الذي هجرها أن له ولدا.ً
جاء بحث الأب عن مصير كريمة واختها متأخرا زهاء العشرين عاما، وذلك بعد أن اكتشف أن اسرته الثرية لا يعنيها سوى ماله، بل وتريد ان ترثه حياً، وعلى رأس الاسرة زوجته قسمت هانم (صفية العمري) التي يذكرنا جبروتها هنا بـ (نازك السلحدار) في ليالي الحلمية، ومع قسمت الابن مجدي (أحمد سعيد عبد الغني) الطامع بامتلاك كل شيء.
تؤدي صفية العمري دور الزوجة الثانية التي ترفض قيام زوجها بتقسيم ثروته وتوزيعها بين أسرتها وبين ابن  زوجته الأولى والتي لم تكن تعلم عنها شيئا.. فتدخل في مواجهة قاسية مع زوجها مصيلحي،  لمنعه من اعطاء الولد الصايع مغاوري، ابن الفقيرة كريمة جزءاً من حقها وحق ابنائها.. وتخوض صراعا حادا مع رزقة، وتقف مع قسمت ابنتها مشيرة (راندا البحيري) وهي دلوعة ترتكب العديد من المشاكل، وتسبب لمن حولها الكثير من الآلام..  فيضطر الأب للسفر الى أوروبا والاختفاء في مكان مجهول، لا يعرفه أحد ولا يصل اليه احد، الا عن طريق (الايميل).. لحين اعادة ترتيب أوراقه من جديد، وبما يحفظ للجميع حقوقهم.
غير ان المجتع لا ينقسم فقط بين أثرياء وفقراء أو بين أشرار وخيرين.. فكما يوجد الشر والطمع في الطبقات العليا من المجتمع نجده كذلك في الطبقات المسحوقة، كما هو الحال مع الطلياني (محمد كامل) قاتل عريس رزقة ليلة زفافه، والطامع الآن بأموال مغاوري التي ورثها عن أبيه، وهو أيضاً القاتل والسارق لأموال كبير الحارة الخال الطيب (محمد الدفراوي).. فيتفق عفاريت السيالة من أشقياء الحي، وفي مقدمتهم مغاوري، على الاقتصاص منه.. الى الحد الذي يوصله الى الجنون.
ولكي يصل الأب مصيلحي الى ابنه التائه ليقيم من خلاله العدل المضيّع، والمساواة بين الابناء، يستعين بمحاميه الكبير (اسامة عباس) الذي يستنفر بدوره فرع المكتب في الاسكندرية الذي يديره (أحمد سلامة).. فتحدث بين المحامي الاسكندراني وشقيقتيه وبين مغاوري، المسكون بالعفاريت والاندفاعات المفاجئة، علاقة انسانية جميلة، ستؤثر لاحقاً على سلوكه وخياراته. فالشاب مغاوري صار يعتمد على ثروة اسرته، دون أن يعمل الى أن يقع في حب شقيقة محامي الاسكندرية.. فيندفع إلى العمل والحياة الجادة، مقتدياً بعلاقة المحامي بخطيبته الاسكندرانية الجدعة (منة فضالي).
يلعب الفنان الشاب احمد الفيشاوي لأول مرة دور البطولة مجسداً دور «مغاوري» زعيم «عفاريت السيالة»، وكان قد سبق له وترك أثراً فنياً طيباً بعد أن قدم عدة أدوار صغيرة لفتت الأنظار: «وجه القمر» مع فاتن حمامة، «حديث الصباح والمساء» مع ليلى علوي، «العمة نور» مع نبيلة عبيد.
أما البطولة الأساسية فهي للفنانة عبلة كامل التي تحتل الآن مكانة متقدمة سواء في الدراما التلفزيونية أم السينمائية، وقد بنت مكانتها هذه على رصيد كبير من الانجازات الفنية، بدأت مع انطلاقتها المدهشة في «لن أعيش في جلباب أبي» مع نور الشريف، والذي التقت معه مؤخراً في «عيش أيامك»، ثم في مسلسلات «ليالي الحلمية» و«هوانم جاردن سيتي» و«امرأة من زمن الحب» و«أين قلبي».. الخ..
ومع عبلة كامل (رزقة) في عفاريت السيالة شقيقتها (خيرية احمد) التي تقدم نموذج المرأة الطيبة المتصالحة مع الحياة، على العكس من رزقة شديدة الاندفاع وذات المزاج الناري المتقلب، ولكن المسكونة بالعدل والرحمة وحب الناس، وكما يتجلى ذلك بدعم عائلة أختها وعائلة صديقتها وشريكتها أم وحيد (نشوى مصطفى).. مما يدفع المحيطين بها الى حبها وخشيتها معا.
هذه الشخصية المركبة لرزقة جاءت بفعل العذابات والاهوال التي عاشتها.. فقد كتب عليها، وهي الصبية الصغيرة، أن تصبح اماً واباً لمغاوري، ابن شقيقتها، بل وتكد لإعالة أسرة شقيقتها الثانية (خيرية أحمد) بعد وفاة زوجها، وحين كادت الحياة أن تبتسم لها بالاقتران بحبيب العمر جاء الطلياني ليقتله ليلة عرسها.. ولكن وسط هذه الرحلة القاسية والمرهقة كان ثمة مغاوري الذي وهبتها إياه الحياة ليعوض لها معاناتها، بل ولتواصل معه ومن خلاله مساعدة أهالي حي السيالة، خصوصاً بعد الارث الكبير الذي حط على مغاوري من أبيه.
كل هذه الحياة ولّدت لديها مثل هذه السلوكيات الاندفاعية المتقلبة، والتي وجدناها، عند مغاوري، كما نجدها عند «أدارا» ابنة اختها.
هذا التنوع في بناء الشخصيات المركبة والاحادية يجعل النص الدرامي على الدوام مفتوحا على شتى الاحتمالات، مما يضاعف من متعة الاثارة والتشويق من جهة، ويسهم في كشف نوازع النفس البشرية شديدة الالتباس والتعقيد من جهة ثانية، وربما بسبب هذا الغنى والتنوع الذي يحتويه العمل حرص عكاشة على تقديمه تحت عنوان «النص الروائي». وليس مجرد سيناريو وحوار.
«عفاريت السيالة» لوحة انسانية مدهشة عن شخصيات من لحم ودم تقتل وتقاتل، تضحي وتستأثر، تحب وتكره.. وتندفع في سور من السلوكيات الفطرية البريئة، رغم قسوتها أحياناً..
ويبقى السؤال الكبير الذي دارت من حوله أحداث المسلسل كلها: ها هم الفقراء الطيبون يمتلكون المال فما الذي سيفعلونه به، غير ما يفعله الاغنياء؟!
هنا تتقدم للرد منظومة قيم الحارة الشعبية التي حافظت على ذاتها رغم كل هذا الشقاء العميم والمديد، ورغم كل منوعات العولمة وما أفرزته من ثقافة استهلاكية مدمرة.. انها راية المقاومة (البيضاء) ترتفع مرة ثانية في وجه الجرافات الكونية الزاحفة لاقتلاعنا.
nazihabunidal@hotmail.com