عمان- أمل نصير.

يحكي «متحف الشهيد وصفي التل» الرابض في الكمالية على طريق السلط، جزءا من تاريخ الاردن السياسي والاجتماعي، حيث يقف شاهدا من خلال مقتنياته على تاريخ احد رجالات الاردن الاوفياء.
بني بيت وصفي التل في العام 1951 على مساحة لا تتجاوز الثلاثة دونمات آنذاك، إلا أنه استمر في زيادة المساحة حول المنزل بين فترةٍ وأخرى، حتى وصلت إلى ما يقارب 28 دونما، كونه كان يهتم بالزراعة ويسعى لزراعة المحيط بالأشجار الحرجية والمثمرة.
تحوّل هذا البيت إلى متحف بعد وفاة زوجته سعدية التل في العام 1998، بناءً على وصيتها، إذ أرادت أن يتحول البيت إلى متحفٍ ومزارٍ، ليبقى أثيرُ التل منتشراً بين الأجيال، ومنذ ذلك الوقت أُطلق اسم «متحف الشهيد وصفي وسعدية التل»، على المنزل.
يضم متحف الشهيد وصفي التل مقتنياته الخاصة التي رافقته في حياته الشخصية والرسمية، من أبرزها مكتبته التي تضم مئات العناوين من كتب الأدب والسياسة والتاريخ، وأشياؤه الخاصة، وأثاث منزله القديم، الذي يبدو متواضعا ومنسجما مع الحياة المتواضعة التي كان يعيشها الرئيس الشهيد.
ويضم المتحف أيضا أقلاما عديدة، من بينها أقلام وقع بها التل قرارات مهمة عندما كان رئيسا للوزراء، بالإضافة إلى آخر علبة كبريت استعملها لإشعال غليونه قبيل استشهاده في القاهرة، في الثامن والعشرين من تشرين الثاني عام 1971، ومن ضمن المقتنيات أيضا سيارته الخاصة، التي كان يستعملها في يومياته وهو خارج الوظيفة الرسمية.
عند الدخول إلى المنزل تستقبلك في ساحة البيت «نافورة مياه» صغيرة تبين مدى تأثر الزوجة سعدية بالطابع الحلبي في تصميم البيت، ومن اللافت في المنزل أنه لم يدخل في تصميمه أي نوع من الحديد والاسمنت، إنما تم بناؤه على الطراز القديم، وذلك من خلال خليط من «الدبش والصخور والحجارة الممزوجة بالطين المخلوط بالتبن والقش».
طريقة البناء تلك، تمنح الدفء شتاءً والبرودة صيفاً، خاصةً وأن البيت يتميز بإطلالة مرتفعة على جلعاد، مدينة السلط، ومن حرص التل على زراعة الأشجار الحرجية تم إطلاق غابة وصفي التل وزراعتها بالعديد من الأشجار الحرجية التي تتميز بها تلك المنطقة.
ومن ميزات المنزل الذي أسهم التل ببنائه بنفسه دون الاستعانة بالمهندسين، أن جدرانه تبلغ سماكتها 85 سم، وهو ما يوفر العزل المناسب للحرارة والبرودة.
بني المنزل على ثلاث مراحل، أولها كانت غرفة الجلوس التي كان التل يجتمع فيها بالقادة والوزراء والضيوف، وفيها مجموعة كبيرة من التحف والطاولات النحاسية المميزة، كما أنها مطلة على بركة سباحة يستطيع الواقف فيها أن يرى الجبال والأشجار الحرجية الكثيرة، والتي زرع التل مجموعة كبيرة منها.
ويحوي المنزل «المتحف» الكثير من الصور التذكارية للتل مع عدة شخصيات سياسية وعائلية، أمثال المغفور له باذن الله الملك الحسين بن طلال، وحابس المجالي، وزوجته سعدية ووالده، وغيرهم.
وفي غرفةٍ ذات سقفٍ متدنٍ وأبوابٍ قصيرة، تسمى «غرفة الخلوة» كانت تكشف طريق عمان السلط، هناك كرسيان فقط، ومكتبة صغيرة، وهي التي كان الراحل التل يجلس بها مع الملك حسين، في جلسات حوارية شهدت صناعة تاريخ كامل، في فترة كانت «عصيبة» في المنطقة.
وقد تحدث الكثير ممن عرفوا الشهيد التل عن «تعمده بناء الأبواب القصيرة، لأنه كان دائم الانحناء لله في كل شيء، على الرغم مما كان يتمتع به من طول القامة»، إلا أن سقف المنزل كان مرتفعاً كفاية، كما في غرفة الجلوس التي تعد في حد ذاتها متحفاً مصغراً للكتب التي يبلغ عددها 2700 كتاب، والأسطوانات الموسيقية بعدة لغات، إذ إنه كان يتحدث خمس لغات عالمية.
اما غرفة «التشميس» فقد كانت ملجأ التل حين يباغته برد خريف تنسل منه شمس دافئة بين الحين والآخر، وكان سقفها من الزجاج، إلا أنه وبعد بناء الطابق الثاني تم إزالة ذلك الزجاج، كما أن المطبخ ما يزال يحوي الكثير من الأواني الفخارية والقديمة.
الطابق الثاني للمتحف يضم غرفة نوم الضيوف التي أمست غرفة لسعدية الأرملة، التي هجرت غرفة نومها المشتركة مع زوجها التل، فهي منذ استشهاده تركتها وأغلقتها، بالإضافة إلى غرفة مكتبه، كما تضم غرفة النوم إطلالة مميزة يستشعر الزائر فيها أن التل كان متابعاً لجبال البلقاء ومحيطها، حتى وهو في غرفة نومه، واضعاً ملابسه العسكرية جانباً، بالإضافة إلى «الشماغ الأحمر» الذي لطالما اعتلى رأسه في المناسبات.
وفي غرفة المكتب الذي ضم كل خصوصيات التل، هناك الكثير من الأسلحة، من مقتنيات التل، والخزنة الشخصية، ودخانه، وآخر كبريت استخدمه» الشهيد.
وفي المكتب الخاص به هناك إذاعة مصغرة، كان التل يقوم فيها ببث الأخبار العاجلة والمعلومات التي يريد نقلها للملاً، نظراً لصعوبة الاتصال في بعض الأوقات. وما تزال أغراضه الخاصة الصغيرة ملقاة على تلك الطاولة التي لطالما جلس خلفها وخاطب فريقه العسكري أو الوزاري.
سيارة التل (الجاغوار) ما تزال تصطف في غرفتها الخارجية، تراقب الزوار دون حراك، فصاحب البيت غائب، ويخرج الزوار بعد ذلك ليلقوا نظرة عليها ويترحّمون على راكبها في زمانٍ مضى. ويحيط البيت حديقة عامرة بالأشجار والنباتات المتنوعة، التي تقف شاهدا على اهتماماته بالأرض، وتفكيره باتجاه أهمية الزراعة، واستثمار الموارد المحلية، ومن بينها شجرة البطم على سبيل المثال، فهو من كان يزرع ويغرس ويراقب عن كثب نمو شجيراته كما ينمو وطنه، إلا أن يد الغدر امتدت إليه ليكون بيته وأشجاره شاهداً على الوطن، وصفحة تساؤل لمحبيه ممن لم يشملهم ذلك الزمن»الجميل المكتنف بالغموض».