أبواب-وليد سليمان - في منتصف العام 1993 ذهبت في زيارة لوزارة السياحة والآثار الأردنية كي أحصل على بعض المنشورات والصور التي تتعلق بالآثار والسياحة الأردنية.. وكانت المفاجأة السارة أن استقبلني بكل ترحيب شديد ووجه بشوش الفنان التشكيلي والخطاط الشهير الأستاذ رفيق اللحام والذي كان يعمل مساعداً للأمين العام لوزارة السياحة.
وأهداني بالفعل ما أريد وأكثر من ذلك, مع إعطائي كتاب قيم يعتبر مرجعاً هاماً عن الآثار الأردنية القديمة والتاريخية من ترجمة وتعريب المؤرخ الشهير سليمان الموسى لمؤلفه المستر (لانكستر هاردنج) الذي قضى (20) عاماً في الأردن مسؤولاً عن دائرة الآثار الاردنية , وقد ظهر هذا الكتاب بطبعته العربية الأولى عام 1965, وكان قد ترجم إلى عدة لغات عالمية أولها الانجليزية عام 1959.
وكان لانكستر قد خدم في الأردن في مجال عمله الآثاري في الفترة (1936 - 1956) ثم سافر بعدها إلى لبنان وعاش فيها سنوات طويلة, لكنه في العام 1976 عاد ليقضي السنوات الخمس الأخيرة من حياته في الأردن.. حيث توفي هنا, وكان قد أوصى أن يدفن في مدينة جرش الأثرية الأردنية! وذلك حباً لهذا الوطن « الاردن « الذي يعتبره وطنه الثاني.

من هو لانكستر!
خبير الآثار لانكستر المولود في شمالي الصين (عام 1901) والذي عاش في سنغافورة سبع سنوات .. كان منذ صغره مولعاً بعلم الآثار, وعمل بالحفريات الأثرية في منطقة غزة في ثلاثينات القرن الماضي ، ثم اشترك في بعثات تنقيب عن الآثار في بلاد عديدة منها : عدن وشمالي الحجاز والبحرين والأردن وفلسطين ولبنان.. وله عدة مؤلفات في علم الآثار والكتابات الصفوية والثمودية, عدا عن المسؤوليات والمناصب الآثارية في عدة متاحف للآثار في البلاد العربية .
وكان لانكستر يتكلم اللغة العربية بطلاقة ويكتبها كتابة صحيحة, كما كان مولعاً بالموسيقى العربية الشرقية الساحرة!!.

سنوات طويلة في الأردن!!
ولماذا بدأ لانكستر هاردنج تأليفه كتابه هذا (آثار الأردن) ؟! فبينما هو جالس في قبرص للإعداد لكتابه باللغة الانجليزية وذلك عام 1958؟! قال موضحاً ما يلي:
((لقد قضيت في الأردن سنوات عديدة حتى لم يعد في مقدوري أن أؤلف عنها كتاباً جيداً, وذلك لأن المعرفة الوثيقة بمكان ما لفترة طويلة من الزمن, تمحو الانطباعات التي يكونها المرء في البداية, إلا إذا احتفظ بمذكرات يومية, وهو ما لم أقم به مطلقاً.
أضف إلى هذا أن المرء مع مرور الوقت يفقد القدرة على تكوين فكرة عامة عن البلاد, بسبب انصرافه إلى التفاصيل. ولما كنت قد قمت بزيارتي الأولى للأردن عام 1932 وبدأت إقامتي فيها بصورة دائمة عام 1936, فإن مرور الزمن استطاع أن يفعل فعله في تكييف انطباعاتي.
لقد زرت البلاد لأول مرة بصفتي سائحاً, حيث قضيت فيها أياماً مع رفاق لي من أعضاء بعثة الحفريات التي كانت تعمل برئاسة السير فلندرز بيتري في تل العجول. وأثناء تلك الزيارة لم نهتم كثيراً ببعض الأماكن, مثل أريحا القديمة التي صارت فيما بعد ذات أهمية بالغة, بينما تركت بعض الأماكن الأخرى انطباعاً قوياً في نفوسنا للوهلة الأولى

جرش - مثلاً
 ولكن الأبحاث التي أجريت فيها بعد ذلك لم تكشف عن أشياء جديدة فائقة الأهمية. ومن الطبيعي أنه لم يخطر ببالي يومذاك, إذ كنت أشاهد آثار جرش والبتراء لأول مرة, أنني سأتولى يوماً ما مسؤولية المحافظة عليها, وعلى جميع الأماكن الأثرية القديمة في شرقي الأردن.
وعدت عام 1936 لأشغل منصب (مفتش الآثار) وهو منصب تحول فيما بعد إلى (مدير الآثار). ولحسن الحظ لم أدرك يومذاك خطورة المهمة التي ألقيت على عاتقي.. وفي عام 1948 أضيفت إلى مسؤولياتي منطقة واسعة من فلسطين, وهي المنطقة التي اكتشفت فيها مخطوطات البحر الميت, واستأثرت بالكثير من وقتي ونشاطي خلال السنوات القليلة الماضية.
ومهما يكن من أمر فإن الحياة كانت أكثر هدوءاً قبل عام 1948 بحيث استطعت أن أزور معظم الأماكن في شرقي الأردن. وقمت بأكثر تلك الزيارات في سيارتي الأمينة (الفورد) التي ابتيعت جديدة سنة 1936 وكانت ما تزال في حالة لا بأس بها عندما غادرت الأردن سنة 1956.
وفي معظم هذه الرحلات كان حسن عواد هو رفيقي الأمين الذي لم يكن لي غنى عنه, وكنت قد عرفته أولاً عام 1936 فتى صغيراً في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر, بحيث استطاع أن ينمو ويكبر في ظل الآثار, إنه يملك ميلاً غريزياً ملحوظاً للآثار, وعيناً حادة النظر بالنسبة للمخلفات الأثرية, ولطالما كان أول من اكتشف كثيراً من المواقع التي تعود إلى ما قبل التاريخ. وهو بالإضافة إلى ما تقدم من أفضل الأشخاص الذين عرفتهم في أعمال الحفريات, إذ يمتاز بالمثابرة والصبر, وبمقدرته العظيمة على قهر ما يعترضه من مختلف المصاعب.
كنت قد بدأت هذا الكتاب قبل بضع سنوات, وغرضي منه أن يكون دليلاً للمواقع الأثرية المهمة في الاردن, التي يراها الزائر العادي, مع إضافة معلومات قليلة عن البلاد وتاريخها. والواقع أنه لم يؤلَف كتاب مستقل عن آثار البلاد بأكملها سوى كتاب (بديكر Beadeker).
 وكانت الحاجة لوجود كتاب كهذا تبدو واضحة, من الأسئلة التي كان يوجهها إلى عدد كبير من السياح, عما إذا كان هنالك ما يستطيعون قراءته عن البلاد أثناء زيارتهم لها. على أنني بعد ذلك أعدت كتابته مجدداً على أمل أن يكون أكثر نفعاً للزائرين, سواء في أوقات الفراغ أو عند الوقوف على الآثار نفسها.
ولقد انصرفت جهودي بصورة رئيسية إلى شرقي الأردن بسبب وجود كتب كثيرة جيدة عن آثار فلسطين, إلا أنني أضفت فصلاً جديداً عن الاكتشافات الحديثة في منطقة أريحا بالنظر لأهميتها وجدتها.
كما أنني شعرت أن كتاباً كهذا يجب أن يتضمن فصلاً خاصاً عن مخطوطات البحر الميت, بالرغم من ظهور مئات الكتب والمقالات حولها. ولابد من القول أن كتابات الدكتورة كاثلين كينيون عن أريحا القديمة, وكتابات الأب ديفون عن قمران, ومخطوطات البحر الميت - أصبحت الآن ذات شهرة عالمية.
وكنت أنوي بعد أن أبدأ الكتاب بفصل يتضمن معلومات عامة عن البلاد, ولكن سرعان ما أهملت تلك الفكرة بسبب التطورات السريعة المتلاحقة. وكنت أنوي كذلك أن يتضمن الكتاب جدولاً بمسافات الطرق والوقت الذي تستغرقه الرحلة من مكان إلى آخر, ولكنني أهملت هذه الفكرة أيضاً لأن العمل يجري بهمة ونشاط في شق طرق جديدة, لم يكن بعضها قد تم شقه عندما غادرت البلاد سنة 1956. ومن غير المجدي أن تعطى تفاصيل عن حالة الطرق القديمة, التي لم تكن سوى دروب شبه ممهدة أخذت محلها الطرق المعبدة الحديثة, من أقصى البلاد إلى أقصاها.
وهناك مئات من المواقع الأثرية القديمة, التي لم يرد ذكرها في الكتاب, ولكنها من نوع الأماكن التي لا تهم إلى عالم الآثار فضلاً عن صعوبة الوصول إلى معظمها, حيث لا يوجد ظاهراً للعيان في كثير منها سوى القليل من الشقف الفخارية.
ومن المعلوم أن الزوار في أيامنا هذه يميلون إلى قضاء أقصر وقت ممكن في قطر ما, حيث يسعون إلى مشاهدة ما يمكن مشاهدته من المعالم خلال ذلك. وهكذا ركزت جهودي على أكثر المواقع الأثرية أهمية وأجلها شأناً. والواقع أنه يوجد في البلاد كثير من هذه الأماكن المهمة, بل أن أقطاراً قليلة في العالم تستطيع أن تفاخر - كما يفاخر الأردن - بوجود موقعين أثريين لا مثيل لهما داخل حدوده, كجرش والبتراء.
ولا يسعني إلى الاعتراف بأنني مدين لمن سبقني من الرحالة والعلماء, ذلك لأن كل مؤلف لكتاب من هذا الطراز, يجب أن يعتمد على أبحاث من سبق لهم أن عالجوا الموضوع الذي يكتب فيه.
كما أنني مدين أيضاً للكثيرين الذين قرأوا مسودة كتابي وأعانوني باقتراحاتهم ونقداتهم.
ولابد لي من تقديم أجزل الشكر إلى الآنسة جويندولين بروكلهرست التي قامت بضرب نص الكتاب كله على الآلة الطابعة في أوقات فراغها, وبعد أن انتهت من ذلك تلطفت وقالت أنها لم تشعر بالملل. وأخيراً لا يفوتني أن أذكر تشجيع الناشرين.

المعرب سليمان الموسى
عن الطبعة الثالثة من الكتاب اشار المؤرخ سليمان الموسى قائلاً :
إن أكثر من ستة عشر عاماً مرّت على ظهور الطبعة الأولى من هذه الترجمة, وأكثر من عشر سنوات على ظهور الطبعة الثانية. وهاهي وزارة السياحة والآثار تتخذ القرار بنشر الطبعة الثالثة, مثلما نشرت الطبعة الثانية قبلها. ولعمري أنه قرار جدير بالتنويه, لأن الكتاب يتضمَّن قدراً طيباً من المعلومات عن تراث الأردن الآثاري, يستطيع القارئ من خلاله أن يتابع رحلة العصور الخالية, مع الشعوب التي استقرت في هذه البلاد وتعاقبت على الإقامة فيها, منذ أقدم الأزمان حتى يومنا هذا.
أجل, لقد ترك كل شعب أقام في هذه البلاد, معالم تدل عليه وتتحدث عن حضارته. وفي العصر الحاضر أصبحت الآثار كتاباً مفتوحاً يستقرئ العلماء منه أحوال الشعوب السابقة وطراز حياتها وتطوّر تاريخها. وقد يجد العالم في قطعة من الفخار دلائل حضارية لا تقل أهمية عن صرح شامخ أو هيكل عظيم.
فالأنباط - مثلاً - لم يتركوا كتابات كثيرة عن أنفسهم, ولكن علماء الآثار استطاعوا أن يؤلفوا مجلدات حافلة بالمعلومات المثيرة عن حياة ذلك الشعب النشيط. وقل مثل هذا عن الشعوب الأخرى التي ورثها جيلنا المعاصر.
ولقد مرّت عدة قرون وآثار هذه البلاد في حالة إهمال, فبعضها كان مدفوناً تحت الركام الذي كونته عوامل الطبيعة, وبعضها بقي ظاهراً للعيان. وكان حظ الآثار المدفونة أفضل بكثير من حظ الآثار المكشوفة, لأن أيدي الجهل عبثت بكل ما استطاعت أن تعبث به: فنقلت الحجارة من أماكنها لبناء البيوت, وحطمت التماثيل الرائعة, ونقل البعض الآخر إلى متاحف أوروبا (حجر ميشع وواجهة قصر المشتى - مثلاً). وأخيراً نهضت بلادنا من كبوتها في مطلع القرن العشرين. ورويداً رويداً بدأ الوعي بأهمية كنوزنا الآثارية, والكشف عن المطمور منها, وترميم وإعادة بنائها.

* يمنع  الاقتباس  او اعادة  النشر الا بأذن  خطي مسبق  من المؤسسة الصحفية  الاردنية - الرأي .