أجرى الحوار - ناجح حسن - شكلت تجربة صناعة الفيلم الروائي الاردني الطويل (ذيب) للمخرج الشاب ناجي ابو نوار، حالة جمالية ودرامية خاصة في حراك السينما الاردنية الجديدة التي مضى نصف قرن من الزمان على بدء اولى المحاولات المحلية في بلوغ هذا الحقل التعبيري.
جال فيلم (ذيب) بعروضه الاولى العام الفائت في كبرى مهرجانات السينما العالمية: فينيسيا وتورنتو ولندن وابو ظبي والقاهرة والدوحة وطوكيو وقرطاج ووهران وسواها كثير، وهو يغذي الخطى اليوم لخوض التنافس على جائزة الاوسكار العام المقبل لافضل فيلم اجنبي، بعد ان نجح صناعه في تسويقه بصالات السينما المحلية والعربية والعالمية في حالة غير مسبوقة لواحد من الافلام المغايرة لقواعد واحكام العرض السائدة.
(ذيب) أول الأفلام الطويلة للمخرج والكاتب الأردني ناجي أبو نوّار الذي اشترك في كتابته مع باسل غندور، وتدور أحداث الفيلم في الصحراء العربية عام 1916، ويتناول قصة الفتى البدوي ذيب وشقيقه حسين اللذين يتركان مضارب قبيلتهما في رحلة محفوفة بالمخاطر في مطلع الثورة العربية الكبرى، حيث تعتمد نجاة ذيب من هذه المخاطر على تعلم مبادئ الرجولة والثقة ومواجهة التحديات الجسام في بيئة قاسية.
هذا ثبت لحوار (الرأي) مع المخرج ابو نوار دار خلال مشاركة الفيلم في مهرجان ابوظبي السينمائي..




لماذا اخترت السينما كوسيلة تعبير من بين سائر حقول الابداع المتنوعة؟
منذ الطفولة تولد لدي شغف بالافلام وما تنطوي عليه من سحر وجمال وخيال سواء في شخوصها أو احداثها، لكن لم يرافقني شعور او تخيل بانني ساصبح يوما ما مخرجا او مشتغلا في هذا الحقل التعبيري، كونني ولدت ونشأت بين افراد اسرة تؤمن بالعلم والدراسة والعمل في مؤسسات الدولة، لا العمل في القطاع الخاص أو في حقل صناعة الافلام.
دخولي عالم صناعة الافلام جاء خلال دراستي الجامعية بلندن حيث اقتربت من زملاء واصدقاء ومعارف ساهموا في تنمية ذائقتي بالفن السينمائي، وذلك من خلال مصاحبتي لهم لمشاهدة العديد من الافلام العادية التي كانت تعرض في صالات السوق، مثلما ايضا قادوني الى الاهتمام بتلك العلامات والكلاسيكيات الشائعة عروضها في صالات الفن والتجربة واندية الافلام.

لا شك ان اطلاعك على تلك الافلام المتباينة في الافكار والجماليات والاساليب قادك الى الخطوة الاولى في ولوج عالم السينما؟
اجل صحيح لان هذا مكنني من التعرف على مخرجين شباب يصورون افلامهم الاولى، مثلما اقتربت اكثر من شركات الانتاج السينمائي واطلعت عن قرب في انكلترا على عمليات تصوير العديد من الافلام البسيطة والمتكلفة، وهذا كله دفعني الى الاتجاه نحو كتابة السيناريو السينمائي لقصص وحكايات من الواقع والمطعمة بقبس من الخيال، وكنت ادخر تلك النصوص (السيناريوهات) الى وقت لاحق ريثما اوفق بتصويرها بالكاميرا بامكانياتي الذاتية المحدودة طبعا.

من الواضح ان عودتك من بريطانيا الى الاردن واقترابك من القصص والحكايات التي يختزنها تاريخ المنطقة، فضلا عن دراستك الاكاديمية للتاريخ السياسي والاجتماعي، كان له فضل على بلورة اختياراتك لموضوعات افلامك كما يتبدى بالفيلمين الروائيين: (موت ملاكم) و(ذيب).
عندما عدت الى الاردن قبل عشرة اعوام اتجهت الى الهيئة الملكية الاردنية للافلام حيث انخرطت في احدى الورش التدريبية واشتركت لاحقا في برنامج (راوي) الذي اسهم في تطوير قدراتي، حيث تعلمت اشياء كثيرة من قبل مخرجين ومنتجين وكتاب نصوص وسيناريوهات افلام عرب وعالميين مكرسين ومتخصصين، ففي الورشة تعرفت على المخرج اللبناني زياد دويري صاحب فيلم (بيروت الغربية)، مثلما التقيت مع كاتب سيناريو الفيلم الاميركي (جي اف كي) وسواهم جميعهم كان لهم الاثر الطيب في دفعي الى امتلاك الثقة والاصرار على تحقيق الرغبة في صنع فيلمي القصير (موت ملاكم) وصولا الى فيلمي الطويل (ذيب).

ماذا عن اختيارك لموضوع فيلمك الروائي القصير (موت ملاكم).. وكيف تنظر الى احتفاء النقاد به مع انه التجربة الاولى لك وفتهم براعتك في تقديم اسلوبية مبتكرة في معالجة لحكاية بسيطة مستمدة من صفحة الحوادث بالصحافة اليومية ؟
فعلا تجربتي الاولى لاقت اصداء لافتة في الاعجاب والجدل، ورغبت بداية ان يكون انجاز نص (موت ملاكم) في فيلم روائي طويل يكون باكورة اعمالي السينمائية، بيد انني ولطروف الانتاج الصعبة وقلة الامكانيات وعدم وجود مؤسسات داعمة اتجهت الى تكثيفه في عمل من النوع القصير، مع انه كان بحوزتي سيناريو لفيلم روائي طويل آخر حمل عنوان (شاكوش)، كنت قد استقيت احداثه من بين صفحات الحوادث في الصحافة المحلية ايضا، التي ارى فيها نبعا صافيا يفيض بالقصص الواقعية فيما لو توفر لها شحنات من خيال السينما، لكن للأسف ما زال لدي اكثر من مشروع جميعها على الورق وحبيسة الادراج!.

لكنك تمكنت من انجاز فيلمك الروائي الطويل (ذيب) على نحو مغاير لاهتمامك بقصص وحوادث الحياة اليومية وتوجهت فيه الى محطات في تاريخ البيئة الاردنية بحثا عن عالمك السينمائي الخاص الذي اثار الكثير من الاعجاب والاهتمام لدى النقاد والقائمين على المهرجانات السينمائية بالعالم.
لقد انتظرت مدة عشر سنوات للعثور على جهة انتاجية تهتم بتمويل فيلم (ذيب) والذي كنت اطمح لتحقيقه تحقيقا لرغبة الشغف بالافلام حيث ظلت مناخات احداثه تدور في ذهني في الفترة التي كنت اسعى الى فهم وتعلم اصول الحرفة السينمائية على نحو اكثر تركيزا وحرفية، بعد ان اعجبت بالكثير من الاعمال السينمائية العالمية من بينها افلام: المخرج الياباني اكيرا كيراساوا، والمخرج البريطاني ديفيد لين، والمخرجين الاميركيين اورسن ويلز، وجون فورد، وايضا المخرج الايطالي سيرجيو ليوني، حيث تركت اعمالهم لدي اثرا بليغا على توجهاتي في تحقيق الافلام بعد ان نجحت في زرع حب الافلام داخل وجداني.
تتلخص رؤيتي في شخوص اعمالي في تلك البيئة التي تحتضنهم سواء وهم في عنفوانهم او في لحظات خساراتهم وما يتخلل مسيرتهم من انكسارات وخيبات او اوهام وتطلعات، لك ان تنظر مثلا الى فيلمي القصير (موت ملاكم) ومأساة بطله القاسية والصعبة وهو البطل الذي يحمل ميداليات اولمبية في عالم الملاكمة قبل ان يقع فريسة حادثة يومية عادية من عنف الشارع ليجد نفسه وراء القضبان، في فيلم (ذيب) لن يتغير المشهد كثيرا، الا ان الاحداث بهذا العمل تسري على خلفية تاريخية تشهد تحولات سياسية جسيمة على المنطقة.

حبذا لو سلطت الضوء على طريقتك في اختيار فكرة الفيلم واثناء عملك على الفيلم واسلوبيتك في اختيار الشخوص وادارتهم خصوصا وهم من بين غير المحترفين ؟
عندما تقع فكرة الفيلم في ذهني ابدأ بوضع كثير من الافكار والرؤى حول ماهية الموضوع وابذل جهدا في دراستها والبحث عما يغذي ما يدور حولها من وقائع فمثلا اقوم بوضع جملة من التساؤلات حول الدوافع وراء مضي شخوصها الى مصائرهم، ومتفهما مناخات البيئة التي يتحركون فيها، في حالة (ذيب) وصلني ملخصا للنص من صديقي باسل غندور وهو ما راقني الفترة التي تدور فيها الاحداث ثم قمت باجراء ملاحظات وقراءة للشخصيات والاضافة عليها بغية التعبير عن طموحات وتباينات الرؤى الانسانية الكامنة لدى شخوص العمل تجاه الواقع، ورايت في خلاصة كل ذلك انني امام فيلم قريب او يتشابه مع نمط افلام الغرب او الويسترن التي اعشقها، وما تفيض به من امكنة حميمة ، لقد وجدت في منطقة وادي عربة وما يحيط بها من جبال ووديان فرصة لان اقدم شيئا من احلامي الكثيرة.
لكن ماذا عن عقبة التمويل.. هل كانت ميسرة ؟
لا شك ان محطة انتظاري لتمويل الفيلم طالت اكثر من اللازم قبل ان ينال مشروع منحاً مقدمة من صندوق سند في أبوظبي ومؤسسة الدوحة للأفلام وصندوق رؤى جنوب شرق السويسري، كنت مصرا على انجاز الفيلم بدون أي هيمنة او تدخل او ضغوط من أي جهة انتاج او تمويل، ووصولا الى ذلك رغبت ان يكون الفيلم ضمن نطاق الافلام الفقيرة، واتجهت الى اختيار شخصيات العمل من بين الناس العاديين سكان المنطقة التي دارت فيها الاحداث بعد ان عايشتهم فترة من الزمن، ثم اخترت شخوص العمل وقمت بتدريبهم على فن الاداء امام الكاميرا السينمائية حيث استعملت كاميرا 16 ملم في تصوير الاحداث على نحو جدي، وهذا كله ساهم في توفير الكثير من ميزانية الفيلم.

الموسيقى في الفيلم كانت لافتة وشديدة الالتصاق بالبيئة المحلية.. حدثني عن اشتغالك على هذه المفردة من الناحية السينمائية؟
جاء اختياري لموسيقى الفيلم كي تكون مشبعة باجواء البيئة البدوية، في تناغم مع الزمان والمكان وحراك الشخصيات، فهي موسيقى بدوية اصيلة قبل ان يجري توزيعها بشكل يناسب المواقف والمحطات التي يجري التعبير عنها باسلوب سينمائي.

ماذا عن التصوير الذي اعتبره الكثير من النقاد انه احد ابرز لقيات فيلم (ذيب) الاثيرة، الى جوار شخصية بطله الفتى جاسر الذي اضطلع بدور (ذيب)؟
كنت قد اعجبت بعدد من الافلام التي صورها مدير التصوير النمساوي وولفغانغ تالر الحائز على العديد من الجوائز السينمائية مايكل يورك في اكثر من بلد، حيث يمتلك خبرة احترافية في التصوير السينمائي ويوازن كمصور بين وجه الممثل وشخصيته في تطوير الاحداث في المام جذاب بالخلفية التي تقتنصها عين الكاميرا، وهو ما وفر على الكثير من الجهد في الحصول على صور بديعة اثرت العمل ومنحته هذا الالق على صعيد الصورة وحيويتها.

كيف تشعر عندما يبدأ بعض النقاد ومن المهتمين في اجراء مقارنات بين فيلم (ذيب)، والفيلم الملحمي الضخم (لورنس العرب) للمخرج العالمي ديفيد لين.. هل ترى في ذلك مقارنة ظالمة؟
خلال تصوير الفيلم ظل في ذهني ان اكون على مسافة نائية مع الفيلم الملحمي (لورنس العرب)، صحيح ان (ذيب) يحكي احداثه في ذات الفترة والمكان، الا انني قدمت اسلوبية مغايرة تنحاز الى السينما البسيطة غير المتكلفة في تركيز على عادات وتقاليد محلية من داخل تفاصيل العيش اليومي بالصحراء، مثلما جرى العمل على تصوير الحرب في (ذيب) كخلفية لا في قلب الاحداث.

قصائد الشعر البدوي والراوي كانت من سمات فيلم (ذيب) وتجلياته.
لم يكن من السهل توظيف قصائد الشاعر عبدالله مناجا كفواصل بالفيلم، فقد اعجبت بمضامينها وأفكارها المعبرة عن اهواء واحاسيس ورغبات انسانية مثلما لديها قدر من المعاناة والالم في هذه البيئة الصعبة والتي عملت على تصويرها في اختياري اكثر من زاوية لرواية الحدث في تناغم مع ما تراه عين الطفل الذي هو محور الاحداث دون معزل عن باقي الشخصيات التي تركت العنان للكاميرا تتفحص ملامحهم واحاسيسهم على نحو تشويقي، لقد اجتهدت في تقديم مثل هذه الحلول والمعالجات الدرامية بعد استماعي الى شهادات لعدد من ابناء المنطقة المعمرين وافادوني باجوبة حاسمة حول عدد من الاسئلة التي كانت ترد على خاطري في لحظات تتبع مسار الثورة العربية الكبرى وما كانت تحفل به من مزيج متنوع من الشخصيات التي أخذت تنتشر في الصحراء ابان تلك الحقبة.
يشار الى ان فيلم (ذيب) هو من إنتاج شركة بيت الشوارب التي أسسها الأردني باسل غندور، بالتعاون مع نور بيكتشرز من خلال المنتج البريطاني روبرت لويد، وشركة الخلود للإنتاج الفني، وقد شارك في الإنتاج ناصر قلعجي وليث المجالي، وقامت نادين طوقان بدور المنتج المنفذ، ونال مشروع فيلم (ذيب) منحاً مقدمة من صندوق سند في أبوظبي ومؤسسة الدوحة للأفلام وصندوق رؤى جنوب شرق السويسري.
وقام باداء الادوار الرئيسية بالفيلم: الطفل جاسر عيد وحسين سلامة وحسن مطلق ومرجي عودة، بالإضافة إلى الممثل البريطاني جاك فوكس.