الطريقة الأردنية البحثية أحدث ما توصل إليه العلم لعلاج السكري:


 د. أديب محمد الزعبي
أستاذ المناعة والخلايا الجذعية
كلية الطب - جامعة الينوي  - أميركا


كثر الحديث مؤخراً عن الخلايا الجذعية وأهمّيتها في علاج الأمراض المستعصية والمزمنة ، حتى ذهب البعض إلى تسميتها بالخلايا السحرية وذلك للإعتقاد بأن لهذه الخلايا قدرة عالية جدا على  معالجة  الأمراض التي ما زلنا نبحث في طوايا العلم عن علاجات لها علّها تشفي مرضانا وتعافي علاتنا .

فهل الخلايا الجذعية فعلاً كذلك؟ .

أم أنها أوهام العلماء والباحثين عن علاجات سريعة لهذه الأمراض الفتاكة؟ أم هي إدّعاءات من بعض المنتفعين من المعالِجين والشركات وغيرهم؟

هذه المقالة تسلّط الضوء على الأمور الأساسية الواجب معرفتها من قِبل كل من يهتمّ بالخلايا الجذعية، سواءاً كان مريضاً مصاباً بمرض عضال، أو كان طبيباً معالِجاً ، أو كان باحثاً يمضي جلّ وقته في البحث عن إجابات علمية في الخلايا الجذعية وكيفية عملها ليساعد بها الطبيب والمريض.

 الاهتمام العالمي بالخلايا الجذعية
في كل يوم يزداد الإهتمام عالميا بالخلايا الجذعية وإمكانية إستخدامها في علاج الأمراض المختلفة، ففي السنوات العشر الأخيرة (2005-2014) تم نشر 262,242 نشرة علمية متخصصة في الخلايا الجذعية وهذا الرقم يفوق ما تم نشره عن الخلايا الجذعية منذ عام 1970  .

 ما هي الخلايا الجذعية؟
 تسمى أيضا الخلايا الجذرية وخلايا المنشأ، ولها خصائص تميزها عن باقي خلايا الجسم وهي قدرتها على تجديد نفسها لفترات طويلة قد تصل إلى حياة الإنسان كلها ، وقدرتها على الهجرة إلى أي جزء من الجسم حيث تسكن أو حيث يحتاج إليها الجسم، وكذلك قدرتها على التمايز إلى خلايا متخصصة في معظم أجزاء الجسم كخلايا القلب النّابضة أو الخلايا العضلية أو العصبية أو خلايا العين التي تبصر النور أو خلايا البنكرياس المفرزة للإنسولين أو خلايا الكبد المفرِزة للإنزيمات، وغيرها الكثير من أنواع خلايا الجسم.

من أين نأتي بالخلايا الجذعية؟
تنقسم الخلايا الجذعية إلى نوعين رئيسين من حيث المصادر: الجنينيّة والبالغة.
الخلايا الجذعية الجنينية مسؤولة عن تكوُّن الجنين في المراحل المبكِّرة من تطوُّره في رحم الأم ولها قدرات عالية على التمايز إلى خلايا الجسم المختلفة، وللحصول عليها يتطلب الامر انهاء حياة الجنين.
أما الخلايا الجذعية البالغة فإنها توجد في أماكن متعدِّدة من جسم الإنسان في كافة مراحله العُمرية وتأخذ بالتناقص مع تقدُّم العمر؛ وتتمركز الكمّية الأكبر من الخلايا الجذعية في الإنسان البالغ في نخاع أو نقي العظم الأحمر والتي  تقوم بتجديد الدم بشكل متواصل وبنظام متوازن طيلة فترة حياة الإنسان وتستجيب إلى حاجة الجسم المتواصلة للتجديد وذلك بتصنيع خلايا متخصصة لعلاج إصابات الأعضاء المختلفة ونقلها إليها عن طريق الدم. هذا بالإضافة إلى وجود كميات متفاوتة من الخلايا الجذعية في أجزاء متعدَّدة من الجسم والتي تعمل كمصنع فوري للمحافظة على التجديد المستمر للأعضاء وذلك للتعويض عن الخلايا التي تموت بشكل طبيعي .
وهناك أيضا مصادر أخرى للخلايا الجذعية مثل الحبل السُّريّ للمواليد والذي يحتوي على نِسب عالية من الخلايا الجذعية مختلفة الأنواع والتي يمكن تجميعها عند الولادة واستخدامها مباشرة أو حفظها لفترات طويلة قد تصل إلى عشرات السنين لما لها من فوائد في علاج الأمراض المختلفة للوليد نفسه أو لأخوته ووالديه ، وأيضا لأشخاص آخرين حسب تطابق الأنسجة معهم. وما زال العلماء يكتشفون مصادر جديدة للخلايا الجذعية في جسم الإنسان حيث تم مؤخرا الكشف عن الاسنان ودم الطمث كمصدر كبير للخلايا الجذعية وكذلك وجود كميات قليلة منها في حليب الأم والمشيمة وأجزاء أخرى من الجسم.

 ما هي أنواع الخلايا الجذعية؟
تنقسم الخلايا الجذعية إلى أربعة أنواع حسب قدرتها على التمايز وإنتاج خلايا أخرى مختلفة الأنواع:
 فالخلية الجذعية «كاملة القدرات» Totipotent تستطيع إنتاج كائن حيّ بكامل أعضائه وهذه موجودة فقط في المراحل الأولى من تطوّر الجنين ،
والخلية الجذعية «عالية القدرات» Pluripotent تستطيع إنتاج أنواع مختلفة من الأنسجة والأعضاء وهذه موجودة في في الجنين في مراحله المتقدمة ، بالإضافة إلى وجودها بكميّات قليلة في أماكن مختلفة من الإنسان البالغ ،
والخلية الجذعية «متعدِّدة القدرات» Multipotent والتي تستطيع التمايز وإنتاج أنواع مختلفة من الخلايا والتي تنتمي إلى نفس العضو او النسيج مثل تلك الموجودة في نخاع العظم والتي تنتج الأنواع المختلفة من خلايا الدم ،
وأخيراّ الخلايا الجذعية «أحادية القدرات» Unipotent والتي تستطيع إنتاج نوع واحد من الخلايا المتخصصة.

 ما هي الأمراض الممكن علاجها بالخلايا الجذعية؟
تنقسم الأمراض التي يمكن علاجها بإستخدام الخلايا الجذعية إلى ثلاثة أنواع:
- النوع الأول: أمراض تم علاجها بنجاح ولها طرق علاجية روتينية مثبتة علميا وموافَق عليها عالميا مثل السرطان وإعادة بناء نخاع العظم بعد العلاج الكيماوي أوالإشعاعي، والأمراض الوراثية مثل الثلاسيميا وأمراض نقصان المناعة عند المواليد الجدد والأمراض المتعلّقة بنقص القدرة على البناء والهدم.
- النوع الثاني : ويتضمن أمراضا تم استخدام الخلايا الجذعية في علاجها بشكل مكثف في السنوات العشر الماضية في شتى أنحاء العالم وفيها نتائج مشجعة ويطغى عليها طابع النجاح بشكل عام ولكنها لم تُعتمد بعد كطريقة علاجية روتينية في الكثير من الدول، ومنها أمراض القلب والكبد والسكري والجروح المزمنة والأمراض الجلدية والعقم والأمراض العصبية مثل الشلل والزهايمر وغيرها.
- النوع الثالث: فما زالت الأبحاث في بدايتها وبها نتائج متفاوتة بين الفرق العلمية، ولكن قد يكون لها مستقبل واعد مع مرور الوقت مثل الفشل الكلوي وفقدان البصر وفقدان السمع واستنبات الشعر وتصنيع الأوعية الدموية وغيرها.
وتتفاوت قدرة الخلايا الجذعية على علاج الأمراض المختلفة حسب المرض وحسب مقدرة الفريق المعالج في الحصول على الخلايا الجذعية المناسبة لكل مرض وطريقة الحصول عليها وكذلك طريقة العلاج بها.  

 إستخدام الخلايا الجذعية في علاج السكري
بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية فإن هناك أكثر من 347 مليون مصاب بداء السكري عالمياً وهناك ثلاثة أنماط من السكري:
- النمط الأول: والذي تظهر أعراضه مبكراً في الطفولة وينتج عن مهاجمة جهاز المناعة لخلايا بيتا المفرزة للإنسولين والموجودة في البنكرياس، ويؤدي إلى إنخفاض مستوى الإنسولين في الدم مما يقلل من القدرة على تحطيم سكر الجلوكوز فيؤدي ذلك إلى إرتفاع السكر في الدم.
- النمط الثاني: وهو الأكثر انتشارا بين المرضى الكبار وينتج عن عدم الاستجابة للإنسولين من قِبل خلايا الجسم مما يمنع الإنسولين من تأدية عمله بالكامل.  
- النمط الثالث: ويحصل خلال فترة الحمل ونسبة الإصابة به منخفضة مقارنة مع النوعين الأول والثاني.
وقد قامت الكثير من الفِرق العلمية في مختلف دول العالم في السنوات العشرة الماضية باستخدام الخلايا الجذعية لعلاج السكري بطرق مختلفة، ولكن لم تكن النتائج بالمستوى المطلوب من حيث رفع مستويات الإنسولين أو خفض مستويات الجلوكوز في الدم، وهذا ما دفع العلماء مؤخراً (ومنهم فريق الشبكة العربية المعلوماتية للخلايا الجذعية) للبحث عن مصادر أخرى للخلايا الجذعية أكثر أماناً لعلاج السكري؛ فهنالك اليوم أكثر من 145 دراسة سريرية على إستخدام الخلايا الجذعية لعلاج مرضى السكري في مختلف دول العالم مسجلة في مؤسسة الغذاء والدواء الأمريكية  ، وهناك أكثر من 4200 دراسة تم نشرها في مجلات علمية عالمية محكمة ومصنفة عن إستخدام الخلايا الجذعية لعلاج السكري .

 الطريقة الأردنية لعلاج السكري
تمثل الطريقة الأردنية البحثية أحدث ما توصل إليه العلم في مجال استخدام الخلايا الجذعية لعلاج السكري، حيث تمكن فريق الشبكة العربية المعلوماتية للخلايا الجذعية - وبالتعاون مع قسم الأشعة التداخلية في الخدمات الطبية الملكية ومركز الخالدي الطبي في الأردن وعلماء في كلية الطب في جامعة شيكاغو- من إيقاف الهجوم المناعي على البنكرياس بالإضافة إلى زراعة خلايا جذعية في البنكرياس مباشرة.
وتقوم الطريقة الأردنية على ركيزتين أساسيتين:
- الأولى :تعتمد على تنقية خلايا جذعية من نوع خاص مأخوذة من المريض نفسه قادرة على التخصص لإنتاج خلايا بيتا مفرزة للإنسولين، وزراعتها في البنكرياس مباشرة عبر الأشعة التداخلية دون اللجوء الى الجراحة، وهذه الخلايا قادرة على التمايز إلى خلايا بيتا منتجة للإنسولين بشكل طبيعي داخل البنكرياس.
 -الركيزة الثانية :على إيقاف الهجوم المناعي على البنكرياس حتى لا يتم قتل الخلايا المزروعة.
 ولم تظهر أية أعراض جانبية سلبية على أي من المرضى الذين تم علاجهم الى يومنا هذا، حيث امتدت فترة المتابعة من 14-51 شهراً بعد العلاج. ومع كل هذا فإن علاج السكري باستخدام الخلايا الجذعية ما زال قيد الأبحاث ولم يصل الى علاج معتمد حتى الآن من وزارة الصحة الأردنية، ولا بد من إجراء البحوث الإضافية لمعرفة مدى إمكانية توسيع استفادة مرضى السكري من مختلف الأعمار والفئات من هكذا علاج.

معوقات استخدام الخلايا الجذعية
في علاج  بعض الأمراض
هناك حالات لا تستطيع الخلايا الجذعية القيام بواجبها فيها نتيجة عوامل مختلفة مثل عدم القدرة على إعادة ترميم الجهاز العصبي المركزي لوجود الحاجز الفاصل بين الدم والدماغ، وكذلك ضعف القدرة على إصلاح عضلة القلب بسبب طبيعة عضلة القلب غير المتيحة للإصلاح.
أما في مجال الأمراض المناعية فإن الخلايا الجذعية تعمل فقط تحت سلطة وحكم جهاز المناعة وذلك لأن هذا الجهاز يهاجم ما يكون ضارا فيجب إيقافه أو أن يكون غريبا عن الجسم فيجب التخلص منه. وهذا مايحصل في حال الأمراض المناعية الذاتية عندما يهاجم جهاز المناعة نسيجاً أو نوعا محدداً من الخلايا في الجسم - كما هو الحال في أمراض السكري وإلتهاب المفاصل (الروماتيزم) وتضخم الغدة الدرقية والتصلب اللويحي وغيرها من الأمراض المناعية ذات الطابع المزمن – حيث يقوم جهاز المناعة بتدمير النسيج أو الخلايا المستهدفة، حيث أن أسباب هذا الهجوم المناعي وغير المرغوب فيه على أجهزة الجسم المختلفة ما زالت غير مفهومة تماما لدى العلماء.

 كيف نحصل على الخلايا الجذعية ؟
تعتمد طريقة الحصول على الخلايا الجذعية في الدرجة الأولى على المرض المراد علاجه والذي بدوره يحدد أيضاً مصدر الخلايا المعالِجة . فللحصول على الخلايا الجذعية من نخاع عظم الإنسان البالغ يتم سحب النخاع من إحدى العظام الرئيسة في الجسم مثل عظام الحوض. ويمكن تحريك الخلايا الجذعية من نخاع العظم الى الدم وذلك بإستخدام أدوية خاصة محرِّكة للخلايا الجذعية وأكثرها إستخداماً ما يعرف بإسم Granulocyte Colony Stimulating Factor (G-CSF) والذي يعطى للشخص المراد سحب الخلايا الجذعية منه لعدة أيام حيث يؤدي إلى تكثير الخلايا الجذعية في الدورة الدموية إلى أضعاف كثيرة مما يمكِّن الحصول عليها بطريقة أسهل من الدم مباشرة وبكميّات كبيرة تُغني عن الحاجة لتكثير الخلايا خارج الجسم وتعريضها مخبريا لظروف قد تكون غير آمنة . كما ويمكن الحصول على الخلايا الجذعية من أجزاء أخرى من الجسم مثل الدهون والجلد وبصيلات الشعر، بالإضافة إلى وجود كميّات متفاوتة من الخلايا الجذعية في الأعضاء المختلفة من الجسم  متخصصة في تجديد كل عضو .
أما الخلايا الجذعية الجنينية فتؤخذ من الجنين في مراحله التطورية الأولى ويتم تكثيرها وتحفيزها مخبريا للتمايز إلى خلايا متخصصة خارج الجسم ليتم حقنها بعد أن تُثبِت أنها قد تحولت إلى خلايا متخصصة. وللحصول على الخلايا الجذعية من الدهون فيتم عن طريق شفط الدهون من أماكن محددة من الجسم ثم يتم تفكيك النسيج الدهني بطريقة خاصة في المختبر ليتم بعدها استخلاص الخلايا الجذعية بطرق مختلفة . أما الحصول على الخلايا الجذعية من الحبل السُّري فيتم مباشرة بعد الولادة حيث يتم تجميع الدم من الحبل السُّري ثم تنقّى الخلايا لإزالة  الشوائب والخلايا غير المرغوب بها ثم يتم استخدامها في العلاج أو يُقلّل حجمها وتوضع في مادة حافظة وأنابيب أو أكياس