وليد سليمان

حتى هذه اللحظة مازالت أم كلثوم تعيش معنا عبر أغانينا الطربية الآسرة بالأنغام والكلمات وبالصوت الشجي الساحر بعد «40» عاماً على غيابها, حيث توفيت في العام 1975 رحمها الله.
وكانت أم كلثوم معجزة الغناء العربي ظاهرة فنية غنائية متميزة قل الزمان أن يجود بمثلها علينا!! فقد غنت للحب والوطن وللنساء والرجال والعشاق والجنود وللنيل وللأرض وللشجر والقمر والأمل وللأمة العربية وأمجادها كذلك, فقد غنت أكثر من «700» أغنية في مسيرة فنها الجميل:
زي القمر بس جماله
كل يوم يزداد
وكل ما يهل هلاله
تنعاد علينا الأعياد
والليلة عيد
عالدنيا سعيد
المطربة العبقرية
مشاهير وعظماء الفن والأدب والثقافة العربية قالوا عنها من باب الإعجاب والتقدير والاستمتاع الكبير بصوتها الجذاب وبأدائها الفني الراقي ما يلي:
-    نجيب محفوظ: أم كلثوم هي نعمة الدنيا, وهي كنهر النيل الخالد!!.
-    والشاعر والمفكر أدونيس والذي يحب الاستماع لأغاني أم كلثوم وفيروز قال ذات مقال عنها: إنها الطاقة النادرة التي تشع غناءً و نشوة للحياة, فالغناء الكلثومي يلملم الحياة المبعثرة, وغناء أم كلثوم يدور حول كوكب القلب, وهو نوع من الإشراق والإلهام, ورغبات من التحرر من بؤسنا, فيه حزن يخلق الشفافية لنكون أكثر نقاءً, لذا فإنها أثرت في الوعي الجمعي العربي.
-    وعن المطربة العبقرية عنوان الأصالة والعظمة للنغم الشرقي الأصيل أم كلثوم فقد كتب عنها الناقد الأدبي د. صلاح فضل قائلاً: لقد أيقظت فينا أم كلثوم الحساسية المفرطة للحب والنغم والشعر, وأرضعتنا صغاراً كلمات أحمد شوقي الدافئة ورومانسية أحمد رامي الحنونة, ورباعيات الخيام الجسورة, وذوبت في قلوبنا حلاوة ألحان زكريا أحمد, ورياحين رياض السنباطي.

رق الحبيب
ومن أشهر أغاني أم كلثوم القديمة «رق الحبيب» عام «1941» من كلمات أحمد رامي وألحان محمد القصبجي , ما زلنا نسمعها بشغف تردد صداحة بصوتها المبهج:
رق الحبيب وواعدني يوم
وكان له مدة غايب عني
حرمت عيني الليل م النوم
لأجل النهار ما ييجي يطمني
صعب عليَّا أنام
أحسن أشوف في المنام
غير إللي يتمناه قلبي
سهرت أستناه
واسمع كلامي معاه
وأشوف خياله قاعد جنبي
ومن كتر شوقي سبقت عمري
وشفت بكره والوقت بدري... إلخ.
مقاهي أم كلثوم
وفي مصر هناك العديد جداً من المقاهي التي حملت اسم أم كلثوم أو أحد ألقابها اوإحدى أغانيها مثلاً, وذلك تقديراً وحباً لأشهر امرأة عربية في القرن العشرين صاحبة الصوت المطلق والمثالي بخامته الأصيلة والعميقة والقوية الحلوة.
وقديماً في مقهى التوفيقية –أي مقهى أم كلثوم في القاهرة, كان هذا المقهى وفي طابقه الثالث لا يذيع من المسجل أو الفونوغراف سوى أغاني أم كلثوم طوال الوقت, مثل أغنية «هوا صحيح الهوى غلاب معرفش أنا» من كلمات بيرم التونسي وهي آخر ما لحن لها زكريا أحمد من الأغاني قبل وفاته.. وكانت هذه الأغنية وغيرها حزينة كثيرة الأشجان, حيث رجال يبكون بحرقة وبصمت, فهذا يحمل منديلاً يمسح به دموعه, وخاصة عندما تصل أم كلثوم لمقطع تقول فيه:
إزاي يا ترى
أهوو دا إللي جرى
وأنا وأنا وأنا معرفش أنا
وكان من الحضور في هذا المقهى كبار السن الذي يتأوه ويطرق رأسه, أو يبتسم عند سماعه:
فيهم كسير القلب والمتألم
وإللي كتم شكواه ولا تكلم
وإللي قعد بعد الحبايب وحده
وبات حزين يشكي هيامه ووجده...إلخ.
وفي القاهرة دخلنا في العام «2010» مقهى آخر اسمه «مقهى أم كلثوم» حيث كانت اللافتات عليها صور أم كلثوم وعلى مدخل المقهى تمثالان نصفيان لأم كلثوم, وفي داخل المقهى كذلك لوحات رسم لأم كلثوم ومتعلقات لها من مناديل وأثواب ونظارات , ولوحات فيها معلومات عنها وعن بعض أغانيها وصور مع أشهر مثقفي مصر في فترة الستينات وما قبل ذلك.. حيث كانت أغاني أم كلثوم تصدح في هذا المقهى بكلماتها وكلاسيكيات أغانيها الشهيرة.
وفي مدن وقرى مصرية أخرى هناك مقاهٍ حملت اسم أم كلثوم أو أسماء بعض أغانيها من مثل: كوكب الشرق, انت عمري, أنساك يا سلام, الحب كده, الأطلال...إلخ. وبعض مدن الدول العربية والأجنبية كذلك توجد مقاهٍ تحمل نفس هذا التوجه حباً وإعجاباً وإحياءً لذكرى أم كلثوم وأغانيها الخلابة مهما دارت الأيام ومرت السنين على هذا الهرم الرابع بعد الأهرامات الثلاثة الشهيرة في مصر.
ولا ننسى الإشارة هنا إلى مقهى كوكب الشرق في عمان العريق بقدمه الواقع فوق سوق الصاغة في قلب العاصمة عمان إكراماً لقيثارة الغناء العربي التي حفرت بأغانيها وطربها في الوجدان العربي.
في الصحافة الأجنبية
وعن هذه القامة الغنائية الكبيرة أم كلثوم ذات النغم الشرقي الأصيل تحدثت عنها الصحافة الأجنبية بكل فخر واعتزاز وإدهاش:
مجلة « نيوزويك « الأمريكية قالت عنها عام 1964 أن عظمة أم كلثوم تكمن في خامة صوتها العميق, وقدرتها على أن تغني بسهولة على جميع طبقات السلم الموسيقي من أعلى طبقة إلى أدنى طبقة!!.
ومجلة  « لايف « الأمريكية قالت عنها عام 1962, في الساعة العاشرة ليلة الخميس الأول من كل شهر يحدث شيء غريب في الشرق الأوسط.. ليلاً الضجيج في شوارع القاهرة وفجأة يهدأ, وفي الدار البيضاء والتي تبعد 2500 ميل إلى الغرب من القاهرة يكف الشيوخ عن لعب طاولة الزهر في المقاهي.. وفي بغداد التي تبعد 800 ميل إلى الشرق يحدث الشيء نفسه, فالكل ينتظر برنامجاً معيناً من إذاعة القاهرة ونجمته المطربة أم كلثوم!!.
ومجلة  «ماري كلير» الفرنسية عام 1971 اختارتها كواحدة من أشهر خمسين سيدة في العالم, وقالت المجلة عنها: لقد استطاعت بفنها ونشاطها أن تؤثر في حياة مواطنيها, وأن نجاحها هو جزء من قضية تحرير المرأة العربية.

مع مشاهير العالم
ورغم جمال أم كلثوم المتواضع, إلا أن شخصيتها وصوتها القوي وفنها الأصيل جعل الجمهور لا ينظر للشكل بل للصوت والأداء المتقن والكلمات الرقيقة والألحان العذبة.. حتى أن بعض مشاهير الأجانب سحروا بصوتها فقد قالت الممثلة والفنانة الإنجليزية الشهيرة (فيفيان لي): ((أم كلثوم معجزة من معجزات الدنيا ))!!.
أما المطرب الفرنسي الشهير (شفالييه) فقد زار القاهرة عام 1952 وقابل السيدة أم كلثوم وقال عندما رآها: ((مستحيل مستحيل.. وقال : سمعت اسمك والإعجاب الهائل بك في كل مكان زرته في الشرق, فأنت صغيرة في السن بالنسبة للعرش الذي تجلسين عليه ))!!.
و(شارل ديغول) رئيس فرنسا سابقاً عام 1967 أي بعد نكسة حزيران وكانت تغني هناك في باريس لدعم المجهود الحربي المصري.. أرسل ديغول إليها كلمة قال فيها: ((لقد لمست بصوتك أحاسيس قلبي وقلوب الفرنسيين جميعاً)).