وليد سليمان

كان أول شخص من «آل مشربش» يسكن في مدينة عمان هو عايد بركات ابو عيسى وذلك عام 1900،وهو من مواليد مدينة السلط، وكانت مهنته التجارة في ذلك الزمن، حيث كان رجلاً شهماً وكريماً وهذه تلك سمة الناس هنا قديماً، لأنه لم تكن توجد فنادق ولا مطاعم ولا مقاه مثل هذه الأيام!! لذلك كانت الضيافة واجب على المعارف وعلى المضايف ايضاً، فهناك مضافة فلان ومضافة فلان.. وقد أُقيمت تلك المضافات في عمان قديماً عن حُسن نية وبقلوب طيبة. فقد كان الناس آنذاك لديهم عقيدة وهي ان الضيف ضيف الله، وان رزقه يأتي معه.. وكان الواحد منهم يعزم على رفيقه وصديقه على ما هو متوافر في البيت من أي طعام بلا تكليف ولا إحراج.. وكانوا مع كل ذلك يُخيم الرضا والإنبساط على مجريات حياتهم ..و ضحكة الشخص منهم الصادرة من أعماق القلب كانت تزن رطلاً.
ما ورد سابقاً هو من دليل آل مشربش الذي وضعه بخط يده «عيد بديوي المشربش» ابو عودة وذلك عام 1979 ووزع منه عشرات النسخ بخط يده، لكنه في العام 85 يصدره في كتاب مطبوع عن مطبعة رفيدي في عمان.. وكان الهدف منه هو التأريخ لعائلة المشربش الكبيرة وأين نشأت وكيف توزعت في الاقطار العربية ومنها الاردن والعالم كذلك، مع توضيح أسماء الفروع الكبيرة والمشهورة وذلك كشجرة عائلية فيها الجذور والاغصان وتفرعاتها حتى يومنا هذا – أي بداية ثمانيات القرن الماضي-.

مختار الروم الارثوذكس
ويكمل مؤلف الكتاب عيد ابو عودة موضحاً عن العم عايد بركات انه كان مختاراً لطائفة الروم الارثوذكس في عمان، وقد توفي عام 1937 عن عمر يناهز الـ (83) عاماً، ودفن في مقبرة المسيحية بجبل الاشرفية إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ويذكر عن خلف ابو عواد والد زواد مختار الطائفة الانجيلية الاسقفية العربية في عمان، فقد كان رجلاً كريماً رغم انه فقير مادياً، والفقر ما هو عيب ولا عار!!! لكنه كان غني في نفسه الطيبة ومعنوياته الشخصية، وقد ترك له اسماً يُذكر عند أهله وأصدقائه ومعارفه، فقد كان حلو المجلس بحديثه وقصصه وسواليفه,التي كانت أكثرها عن حياة العرب والبدو الرحل في الصحراء، وكان يتعاطى معهم البيع والشراء في أوقات الربيع، حيث كان تاجراً معروفاً بالمواشي والسمن والجميد، وكان يأخذ رأس مال من صديقه وعميله الحاج عارف الجغبير، وكان يعتمد عليه بالكثير والقليل، وذلك لحسن معاملته معه لأن المعاملة رأس الدين، والصيت الحسن خير من خزائن المال، وقد توفي المرحوم عام 1929 ودفن في مقبرة الانكليز بالسلط حي عين الجادور عن عمر يناهز الـ (87) عاماً وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
 
ما أحسن الذكرى
وفي مكان آخر من هذا الكتاب الدليل والمليء بالمقتطفات من الحكم والامثال والأقوال والأشعار والتأملات وتاريخ آل مشربش كذلك وشجرتهم العائلية الممتدة عبر الأجيال .. يقول المؤلف:
في عام 1917 في الحرب العالمية العظمى رحل بنا المرحوم والدي بديوي من السلط إلى مادبا وهناك فتحنا دكاناً بسيطة جداً.. لكن في العام 1922 رحلنا من مادبا إلى عمان، وكان عدد سكان عمان يومها (12) ألف نسمة تقريباً من عرب وشراكسة، وافتتح والدي دكاناً في عمان.. بينما كان عمي عويس قد فتح دكاناً بالشراكة مع عايد بركات، وكان عميلهم التاجر المعروف في ذلك الوقت جميل الصفدي. وفي العام 1924 يدخل عيد بديوي مجال التجارة البسيطة، لكن في العام 1965 يصبح عضواً في قسم لجان التخمين في مالية عمان من قبل امانة العاصمة حتى العام 1983 حيث تقاعد بعدها , وقد قارب الثمانين عاماً والحمدلله .. ويقول في موقع آخر عن حياته في عمان:
«وفي العام 1933 استأجرت دكان من المرحوم فوزي المفتي شقيق سعيد باشا المفتي بأجرة قدرها 24 جنيها فلسطينيا سنويا تدفع على قسطين.. وكان الدكان من حجر وطين وسقفه خشب وقصيب، وهو بأحسن موقع مقابل ساحة الجامع الكبير (الجامع الحسيني)، ثم بعت الدكان للحاج امين مرعي المعروف بـ (ابو عادل) والذي يسكنه بمبلغ خمس ليرات ذهب فقط، ومعلوم ان الدكان هذا بوقتنا الحاضر لا يقدر ولا يباع بأغلى الاثمان وذلك بالنسبة لموقعه التجاري الهام بما صار عليه مع تقادم السنين وتطور الاموال الاقتصادية في البلد. واليوم من فضل الله كل شيء كثير ووافر وبألف نعمة بالنسبة للماضي «بس» ناقصنا القناعة، والحياة أصبحت مسابقة!! قاتل الله الطمع «فالتقوى مع القناعة تجارة عظيمة» .

من دمشق لعجلون والسلط
وفي لمحة تاريخية قديمة عن آل مشربش يذكر واضع هذا الكتاب المؤلف ابو عودة المشربش ما يلي:
يقال ان الجد الاول وأخاه غير المعروفين بالإسم كانوا من سكان حي العباسية في دمشق الشام، وفي حوالي عام 1650 ميلادية ولأسباب ثأرية جلوا إلى جبل العرب المعروف بجبل الدروز، ومن ثم وصل أحد الاخوة إلى شمالي الاردن.
ومن المعروف ان الجد الاول الذي سكن في جبل الدروز لا تزال تقطن ذريته وليومنا هذا في قرى الجبل مثل القنية وعنزة وقرية سلطان باشا الاطرش وخلافها في قرى الجبل.
اما جدنا المعروف انه رحل إلى شمالي الاردن وهو الذي يربط حمايل الشرابشة العبابسة والدحابرة والبشارات والقنادحةوطويرش وعياش.
وان اول جد معروف بالاسم لعشيرة الشرابشة اسمه «ابراهيم» الذي سكن قرية عين جنا قضاء عجلون وهو من مواليد 1750 تقريباً.
وفي حوالي العام 1825 ولاسباب ثأرية ايضا جلوا إلى عرب بني حسن لمدة سنة أو اكثر ومنها رحلوا إلى السلط وبقوا فيها معروفين كحمولة الشرابشة وهم من أهالي وسكان مدينة السلط.
ومن المؤكد ان جدنا سليمان مبارك من مواليد السلط عام 1832 وتوفي عام 1915 في الحرب العظمى الاولى عن عمر يناهز 83 عاماً ودفن في مقبرة الانجليز بجوار كنيسة الروم الكاثوليك في حي الميدان بالسلط.

المقبرة المسيحية في عمان
وجعلنا لكل شيء سبباً.. تنوعت الاسباب والموت واحد، وعليه أزيد ما يلي – يقول المؤلف:
المرحوم عمي عويس هو من مواليد عام 1870 في مدينة السلط توفي عام 1960 بعمان ودفن في المقبرة المسيحية الواقعة في جبل الاشرفية، والتي كان هو سببها، والتفاصيل كما يلي:
في عام 1927 توفي المرحوم الجندي «رزق الله سلامة مشربش» وهو شاب أعزب بينما كان مسافراً بالقطار ومن عمان إلى معان وذلك دهساً بالقطار، وكان برفقة المرحوم ابن العم عيسى العايد طيب الذكر.. وفي حينه كان المرحوم موسى العايد الفاخوري مدير بريد القطرانة وهو الذي أخبرنا بالحادث برقياً. ثم نقل إلى عمان ودفن في مقبرة جبل القلعة وذلك لعدم وجود مقبرة للمسيحيين في عمان في ذلك الوقت.
وبعد الدفن تبلغ المرحوم عمي عويس إشعاراً من دائرة الآثار والصحة يفيد بوجوب نقله إلى مكان آخره حيث كان الدفن ممنوعاً في مقبرة القلعة، وهذا الأمر أجبره إلى مراجعة بعض المسؤولين وطلب منهم تخصيص قطعة أرض أميرية ملك الخزينة كي تخصص مقبرة لمسيحيي عمان.
وفي ذلك الوقت كان سعيد بك المفتي (صديقه) حاكما اداريا للعاصمة «محافظة عمان» فقال له اسأل عن قطعة أرض أميرية ملك الخزينة وخبرنا ونحن مستعدون لان نساعدك. ولدى سؤال رجال ومخاتير شراكسة حي المهاجرين أخبروه عنها، ثم أخبر السيد سعيد بك المفتي الحاكم الاداري الذي تأكد من مدير تسجيل أراضي عمان السيد محمود بك الشهابي.. ثم سمحوا بأن تخصص قطعة الارض هذه مقبرة للمسيحية.. حيث تم نقل جثمان المرحوم الجندي رزق الله سلامة ودفن فيها.. وهو أول شخص يدفن فيها وذلك في العام 1927 والتي مساحتها تسعة دونمات و 339 متراً مربعاً، وكان رقم القطعة (189) حي (15) في جبل الاشرفية، وبقيت هذه المقبرة سارية المفعول – الدفن فيها- حتى العام 1964، ثم استعملت المقبرة الجديدة من حوض القويسمة وسجلت باسم جمعية الرابطة الانسانية عام 1961، ومساحتها (53) دونماً بسعر الدونم (300) دينار في ذلك الوقت.
هذا مع العلم ان جميع الطوائف المسيحية ساهمت في ثمنها وتكاليف تصميمها.