وليد سليمان

منذ أيام وفي بيت الصديق الفنان الكوميدي ابراهيم حداد جمعنا المساء الشتوي بالأديب القدير فخري قعوار لنتسلى - ليس بلعبة الشطرنج - بل بورق الشدة « الهَند « وكان هو من يسجل لنا نقاط كل لعبة بقلمه على ورقة خاصة .. حتى أنه – أي فخري قعوار – قد غلبنا وتفوّق علينا في نهاية اللعب .
وإذا كان فخري أبو الأنيس قد بدأ ينسى بعض أصدقائه ومعارفه !! فإننا لن ننسى مشواره الإبداعي الخلاق والهام في مسيرة الصحافة والقصة الأردنية منذ نحو أربعين سنة .. ففي قصة قصيرة له بعنوان « ممنوع لعب الشطرنج « والتي كتبها في العام 1975 نستعيدها الآن قارئين ما يلي :

ممنوع لعب الشطرنج
(( حتى هذه اللحظة لا أدرى لماذا حدث لي كل ذلك ، و لم اعثر على تعليل مقنع و حاسم يبرر ما قام به الرجل ذو النظارة السوداء من أعمال غير مألوفة ، كما لا أعرف حتى الآن ، كيف احتملت كل إساءاته و أذاه بهدوء و صبر .
- أأنت الاستاذ “خ”؟
- نعم .
- و تعمل فى المدرسة المجاورة لهذا المقهى ؟
- نعم . و لكن لم نتشرف بالمعرفة .
- أغلق فمك و أنهض .
- و لكنني أريد أن أعرف الجهة التي سنقصدها .
- ليس هذا من اختصاصك .
- و هل الذي سينهض شخص غيري ؟
- لا تكثر من فلسفتك الفارغة .
- و لكنني لا استطيع التغيب عن عملي .
- أنا اسمح لك .
- و هل ستخبر المدير بذلك ؟
- سأبلغه بالتلفون .
- ليس فى المدرسة تلفون .
أمسك بيدي ، و وضعها بين أسنانه ، و ضغط عليها بقسوة ، و يده الأخرى تفرك أذني . ثم كف عن ذلك و أمرني بحمل الصحيفة التي كنت أقرأ فيها و التزم الصمت ، حتى لا نثير انتباه الآخرين الجالسين فى المقهى .
- ألا نستطيع أن نشرب فنجان قهوة معا ؟
- لا تحاول أن تبدو طيبا . انهض .
فكرت بالهرب ، و لكنى وجدت أنه سيجر على مزيدا من الأذى ، و فكرت فى أهميتي التي تجعل هذا الرجل الغامض يقتادني بهذه الطريقة ، فلم أجد ما يستحق اهتمامه ، مجرد معلم غير حائز على الثانوية العامة ، و يدفع عشرة دنانير شهريا لتسديد سلفة بنكية ، و لم يعرف امرأة واحدة فى حياته ، سوى أنه فاز بقبلة من ابنة الجيران الذين انتقلوا الى بيت آخر ، و يواظب على قراءة صحيفة يومية واحدة ، و يدخن صنفا رخيصا من السجائر ، و يجيد الشطرنج الذي يلعبه فى أوقات متباعدة .
و كدت أصرخ فى هذا الرجل الكابوس الذي يسير الى جانبي ، لكن الصوت مات فى حلقي .
أدخلنى الى شوارع و دهاليز و أزقة و طوابق لا تنتهي ، ثم توقفنا فى غرفة مليئة بالجماجم و الهياكل العظمية و الصور العارية ، و فيها لوحة كبيرة لرجل جليل ذي لحية مفروقة الى شطرين ، و يدخن غليونا ، و يعلق على كتفه بندقية من طراز قديم ، و كل جدار من جدران الغرفة مطلى على شكل رقعة شطرنج كبيرة .
- أتحب أن تشرب قهوة الآن ؟
- أشكرك .
- أتعرف لماذا جئت بك الى هنا ؟
- لا أعرف .
- كي أسألك بضعة أسئلة فقط .
- أهذا كل شئ .
- نعم هذا كل شئ .
- و لكنك كنت تقدر أن تطرح عليّ هذه الأسئلة فى المقهى .
- كان بإمكانى أن أطرح عليك هذه الأسئلة فى المقهى ، هذا صحيح ، و لكنني لن أحصل على الإجابة التي أريدها فى غير هذا المكان .
- ربما .
- لا ، بالتأكيد ، قل لي منذ متى بدأت بممارسة لعبة الشطرنج ؟
- لا أذكر .
- مهنتي أن أجعلك تتذكر .
- منذ أكثر من سبع سنوات .
- و منذ متى بدأت بتدريب زملائك على هذه اللعبة ؟
- لم أدرب أحدا .
- مهنتي أن أجعلك تعترف بتدريبهم .
- ألاعبهم أحيانا .
- أليست ملاعبتهم تدريبا ؟
- نعم هي تدريب .
- و لكنك ستتوقف عن ممارسة هذه اللعبة اعتبارا من اليوم .
- لا . من قال ذلك ؟
- أنا الذي قال ذلك .
- سأحاول .
- بل ستتوقف نهائيا .
- سأتوقف نهائيا .
- أتحب أن تشرب فنجان قهوة الآن ؟
- أشكرك .
و حينما خرجت ، كنت أكثر حماسة لممارسة اللعبة ، و لكن بعيدا عن مراقبة الرجل ذي النظارة السوداء. ))

أدب جديد
هذه القصة وغيرها للقاص فخري قعوار كان فتحاً جديداً في عالم القصة الأردنية الحديثة حيث الترميز الموحي بالواقعية ، في تلك المرحلة في ساحة الأدب المحلي في عمان ، بجانب ما أخذ يبدعه زملاؤه كُتاب القصة الآخرون مثل خليل السواحري وجمال ابو حمدان وبدر عبد الحق وابراهيم العبسي وسالم النحاس...الخ .
وعندما صدرت له مجموعته القصصية الخاصة بعنوان « لماذا بكت سوزي كثيرا ً « عام1973 أحدثت ضجة أدبية رائعة بسبب العنوان و لأسلوبها السهل المبدع .. وتناولها القراء بكثرة وأعجبوا بهذا الكتاب القصصي اللطيف .

سِر الأناقة !!
 وهذه القامة الأدبية والصحفية الأردنية « فخري قعوار « كان مشهوراً بالوسامة والإعتناء بملابسه الأنيقة ..حتى يظن البعض أنه رجل ثري من أغنياء البلد !! لكنه في الحقيقة عاش طفولة صعبة ومتقشفة ، ففي إحدى المقابلات الصحفية معه قال للمحاور ما يلي : « لقد عرفت الفقر والعوز ، وكانت طفولة فيها القسوة ومليئة بالغموض والدهشة . لقد عرفت كيف يمر فصل الشتاء وأنت تحتاج الى ملابس دافئة .. وكيف تفرح بملابس البالات ...الخ .
وعلى ما أذكر أنني في أوائل الثمانينات من القرن الماضي وكان فخري مسؤولاً عن الملحق الثقافي الاسبوعي في جريدة الرأي ، دخلت عليه للسلام أو لأعطيه قصة لنشرها في الملحق .. فبادرني قائلاً : يا وليد تبدو عليك الكآبة بهذا الجاكيت !!! وضحكنا ، وقررت بعدها ان أهتم أكثر بمظهري قدر المستطاع !!!.
وكان حضور فخري قعوار دائماً في وسائل الإعلام الاردنية منذ بداية سبعينات القرن الماضي ، لينتشر بين القراء ككاتب مقالات صحفية يومية في جريدة الرأي ، وفي غيرها كذلك .. حيث أخذ يكتب في زاويته « شيئ ما « كل ما يخطر على باله ويعيشه القراء والمواطنين الاردنيين من هموم أجتماعية واقتصادية وخدمية وسياسية وفنية ...الخ . بأسلوبه الجذاب بالسهولة الممتنعة ، ليصبح له آلاف القراء المهتمين بمقلاته وجرأته في طرح المشاكل والمطالبة بالحلول وبالتأمل والرقي العقلي والحضاري .

المفرق الزرقاء عمان
حياة متنوعة عاشها رئيس رابطة الكُتاب الاردنيين – سابقاً – فخري قعوار في عدة مدنٍ ،منها المفرق حيث تعلم في مدارسها - بحكم عمل والده بتلك المحافظة- وهناك كان الطالب فخري أنيس قعوار قد بدأ يهتم بالرسم وبفن الخط وقراءة الروايات والقصص ليقرأ كتب عبد الحميد السحار وعيسى الناعوري ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ودوستوفسكي وغيرهم من مكتبة المدرسة .. ويشتهر كخطاطٍ ورسام للوجوه ، حتى أنه كان يخطط العبارات الجميلة لبعض السيارات بالأجرة النقدية .
وينتقل لإكمال دراسته الثانوية في مدينة الزرقاء ، وهناك يستمر بالإطلاع على الآداب والثقافة العربية والأجنبية ، ليمسك القلم ويكتب قصة من تأليفه ويرسلها لبرنامج إذاعي – من أدبنا الجديد _ الذي كان يقدمه الشاعر عبد الرحيم عمر والدكتور هاشم ياغي من الإذاعة الاردنية في عمان .. وعندما أذيعت القصة مع تعليق عليها فرح جداً ، وازداد سروره عندما أرسل له البرنامج مكافأة مالية هي عبارة عن دينار ونصف في البريد وذلك في العام «1961 « !!!!.
وصار فخري يرسل بعض قصصه الواقعية لأمين شنار رئيس تحرير مجلة الأفق الجديد لنشرها في تلك المجلة الاردنية الشهيرة التي كانت تصدر من القدس قبل العام 1967.

الصحفي الناجح
وبعد إتمامه الثانوية يذهب فخري للقاهرة لدراسة القانون ، لكنه لم يحب هذا التخصص ، بل أقام لمدة سنتين هناك في عاصمة الفن والثقافة العربية ، لتستهويه المسارح والسينما والرسم ومجالس الأدباء والمفكرين والفنانين ، ليصبح مراسلاً صحافياً لبعض الصحف الاردنية من القاهرة . لكنه يدرس اللغة العربية وآدابها بعد ذلك في بيروت ، ليعود معلما لها في عدة مدارس خاصة في الزرقاء وعمان لمدة عشر سنين .. وليأخذه العمل الصحفي بعد ذلك في عدة صحف أردنية ، كان آخرها رئيساً لجريدة الوحدة الأسبوعية قبل عدة سنوات .
وهذا الصحفي الناجح والمتميز فخري قعوار والذي ظل يكتب زاوية صحفية جريئة باسم مستعار « نزيه « في جريدة الرأي يركز فيها على القضايا الشعبية والعامة حيث لفتت انتباه القراء والمسؤولين كثيراً .
وكان قد أنتخب نائباً في مجلس النواب الاردني في بداية التسعينات من القرن المنصرم ليكمل رسالته في الدفاع عن هموم الشعب الاردني .
وأنتخب كذلك رئيساً للإتحاد العام للأدباء والكُتاب العرب في منتصف التسعينات .بسبب مواقفه القومية العربية وبسبب شهرته كمبدع عربي واردني معروف في الأوساط العربية والعالمية .. حيث ترجمت بعض كتبه وقصصه ومقالاته الساخرة الى لغات عالمية منها : الانجليزية والتركية و الروسية والصربية والألبانية ...الخ . وأصدر حتى الآن أكثر من أربعين كتاباً وآلاف المقالات والأعمال الأدبية والفنية كالمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية مثل « فرحان فرح سعيد « في ثلاثين حلقة من بطولة الفنان الكوميدي الساخر نبيل صوالحة .
وللأديب فخري كذلك عدة مؤلفات في أدب الأطفال ، وسبق له ان تولى رئاسة تحرير مجلة وسام الصادرة عن وزارة الثقافة الاردنية .
وكُتبت عنه عشرات الدراسات والكتب والرسائل الاكاديمية في جامعاتنا الاردنية .