وليد سليمان

عندما كنت في السادسة من عمري في أواخر خمسينات القرن الماضي وكنا نسكن في منطقة رأس العين زرت أنا وأمي بيت شقيقتي الكبرى المتزوجة والتي تسكن في حي المهاجرين.. وذكرت لنا شقيقتي أنه يوجد في آخر دخلتهم على الدرج شيخ صالح كبير في السن لديه كرامات وعلاجات من بعض الأمراض والحالات وهو الشيخ اسماعيل الكاشف وهو شركسي الأصل.. وهنا صممت الوالدة على أخذي إليه لأنني كنت أعاني من مرض في ساقي .. لعل وعسى يجد لي علاجا ما.. وفي منزله كتب لي الشيخ اسماعيل حجا باًكي أُعلقه بخيط قوي تحت القميص علي صدري، وكتب ورقة أخرى كي تنقعها أمي بالماء لأشرب ماء الورقة على جرعات.

 

الست منيرة

وما لفت انتباهي في بيت الشيخ اسماعيل الكاشف ان ابنته الكبيرة في العمر « الست منيرة « كانت تدير عدة صفوف في غرف البيت كي تُعلم الاطفال الصغار من اولاد وبنات دروس للغة العربية والحساب .. وكان والدها الشيخ الهرم يُعلم دروس الدين الاسلامي لأنه خريج أزهري – وأعتقد ان هذا الاسلوب من التعليم كان في العطلة الصيفية أو للأطفال قبل دخولهم الصف الاول الابتدائي ، ويُسمى بالكتاتيب .تلك كانت أول معرفتي بحي المهاجرين الشهير والذي يقع تحت شارع خرفان في سفح جبل عمان المطل على سيل عمان وعلى عدة مناطق من حي نزال والنظيف ورأس العين.

وحي المهاجرين سُمي بهذا الاسم نسبة الى الفوج الثاني من الشراكسة الذين هاجروا من اوطانهم بمنطقة القفقاس التي تقع جنوبي غربي الاتحاد السوفيتي وذلك في اوائل القرن العشرين الماضي.

أخي الكبير خالد كان له أصدقاء كثر من جيله من سكان حي المهاجرين وأغلبهم من الشراكسة ، وقد كانوا يمارسون لعب كرة القدم في المناطق الفارغة والساحات الترابية أسفل حي المهاجرين قرب سيل عمان ، ثم أخذوا بعدما كبروا بالذهاب معا للنزهات وشمات الهواء والمشاوير الى برك السباحة في الزرقاء والجلوس على المقاهي والتجوال في مناطق عمان الجميلة والسهر تحت اشجار حي المهاجرين القريبة من المدرسة الهاشمية.

وكانت أسرتي كثيرة التردد على حي المهاجرين المقابل لبيتنا في سفح جبل النظيف حيث نسكن ، لأن حي المهاجرين فيه الحركة والنشاط والالعاب وشمس الشتاء التي تظل لفترات طويلة في النهار أكثر من سفح النظيف.. ولسبب آخر لزيارة عائلتين هما أسرة شقيقتي الكبرى أم أحمد وشقيقي الكبير ابو خضر اللذين سكنا في حي المهاجرين لفترة طويلة, ثم فيما بعد شقيقتي الصغرى كذلك ام محمد, وفي فترة السبعينات سكنت أنا وشقيقي الآخر خالد في حي المهاجرين الذي كنا نحبه كثيرا فهو حي جميل وشعبي وأليف بسكانه وبيوته وتفاصيله وهدوئه المعروف.

 

أصدقاء الزمان

وصار اصدقاء اخي الكبار أصدقاء لي كذلك فيما بعد.. وأذكر منهم : مصطفى صالح الذي كان يسكن في رأس العين, والاصدقاء الشراكسة مثل : رجب مختار, والمرحوم عيدو,وسميراحمد, ,و نبيل باتر، ويوسف أرسلان ... الخ .واصدقاء آخرين من جيلي الذين كانوا يسكنون المهاجرين مثل: فهد, محمد, احمد, مصطفى وهم أشقاء من عائلة العطيات, ثم عبد ابوكبير وزياد ابو الروس وخضر فوزي ابن اخي, وعمر باتر وجمال مسعد- الدكتور -, وعمران وربحي ... الخ.

وفي جلسة ذكريات مع اخي أخذنا نتذكر معا تلك الاجواء القديمة التي عايشتها في بعض تفاصيلها وعايشها هو اكثر مني.

 

بين الدوالي والكرم العالي

ومن ذلك مثلا ان من اشهر الشخصيات الذين سكنوا قديما في حي المهاجرين هم: المطرب المعروف في ذلك الوقت في الستينات من القرن الماضي «يوسف رضوان» الذي كان يسكن في بيت ميرزا وهو صاحب اغنية بين الدوالي والكرم العالي يا محلا السهرة والبدر يلالي .... والتي غناها مع المطربة المعروفة سلوى, وصاحب اغنية ياطيرة طيري يا حمامة.. يا رمز الحب والسلامة.

ثم المطربة طروب زوجة المطرب محمد جمال والتي كنا نشاهدها احيانا وبالصدفة بحي المهاجرين في زيارة لأهلها او اقارب لها في هذا الحي, كذلك المطربين المشاهير: اسماعيل خضر,ومحمد وهيب, والفنان الممثل داوود جلاجل.

 

الفارس ..أبو سعدو

كذلك من شخصيات حي المهاجرين المعروفة قديما في الستينات من القرن الماضي كنا نشاهد «ابو سعدو» هذا الفارس الذي يمتطي صهوة حصانه وبلباسه التقليدي الشركسي من قبلق الرأس الاسود والحذاء ذي الرقبة الطويلة جدا, حيث كان يذهب كل يوم مع ابنه كذلك الشاب الفارس من حي المهاجرين الى قصر رغدان العامر ركوباً على الخيل صباحا والعودة مساءً حيث كان بجانب بيته في وسط شارع المهاجرين اسطبل خاص للخيول والعناية بها.. وكان هذا مشهداً جميلاً للمارة ولسكان الحي.

 

بقالات ومحلات

وكان يقع بيت الفارس ابي سعدو خلف بقالة او المحلات التجارية المعروفة بالجملة والمفرق لصاحبها «ابو علي اللداوي» هذا المحل الذي كان شهيرا جداً لكل سكان المهاجرين والأحياء المجاورة الاخرى ولأصحاب البقالات البعيدة يشترون منه بالجملة .

وفي شارع المهاجرين كانت بقالة مختار الشركس بلال أبوأديب, وبقالة يعقوب. واذا صعدنا قليلا في عمق شارع المهاجرين فأننا نتذكر اشهر بقالتين كذلك وهي بقالة مولا الشامي ابو محمد ، وبالقرب منه دكان «ابو رحمه» وكان ابو رحمة هو اول من أحضر اسطوانات الغاز الى حي المهاجرين في الستينات حيث بدأ جهاز الموقد الغازي «البوتوغاز» بالانتشار في بيوت عمان الشعبية.

وفي محيط محلات وبقالة اللداوي كانت تتواجد العديد من المتاجر الاخرى الخاصة بالخدمات والسلع الاخرى من مثل : صالون ابو كمال للحلاقة, وفرن حسني ابو محمد الذي كان يخبز للناس عجينهم المنزلي, ثم صار ينتج المخبز الكماج لبيعه للدكاكين والناس, ثم المطعم الوحيد للفول والحمص لصاحبة ابو احمد.

 

أول حي المهاجرين

اذا كنا نسير في شارع الملك طلال ووصلنا نهايته.. فأننا سوف نواصل السير على يمين الشارع لندخل أول شارع المهاجرين ، حيث وجود محل المبيض القديم اللبناني الاصل لتبييض الاواني النحاسية من الطناجر والملاعق والصحون والسدور..وكان المبيض دائما يجلي تلك الاواني المنزلية بجد وتعب وحركة شبه دائرية.. ومن جانبيه تتكاثر محلات بيع الفحم النباتي والحطب لإشعالها في المواقد للتدفئة والشواء... الخ.

ومن ذلك نسير قليلا لنقف مدهوشين أمام معمل صغير لتكرير ملح الطعام الذي يوضع بأكياس نيلونية ، ثم ورقية فيما بعد ..و هذا الملح الخام يأتي من منطقة الازرق لمطحنة «غنيم».. و بعض الاهالي يشترون الملح هذا بسعر اقل من البقالات .

 وعلى جهتي الشارع كانت تتواجد محلات اخرى شهيرة منها مثلا: محمصة القهوة للقدسي, وبقالة جمعة الكور-والتي ما زالت حتى الآن مكانها منذ الخمسينات- ومنجرة داغر المتخصصة بصنع مقاعد الطلاب المدرسية ،وبقالة عبد القادر الكركي, وحسني صاحب محل الدراجات الهوائية التي يصلحها ويؤجر بعضها للشباب وللأولاد ويبيع بعضها ايضاً, ومخيطة الملابس لأصحابها مصطفى واحمد المدلل

 

مسجد المهاجرين

من أقدم المعالم العمرانية الموجودة حتى الآن في منتصف شارع المهاجرين هو مسجد المهاجرين والذي قام ببنائه مجموعة من الشركس في بداية القرن الماضي وهو مسجد صغير جداً يقع على الطابق الثاني فوق محلات تجارية .. يزهو بحجارة بنائه الوردية اللون وبمحرابه البارز في الفضاءنحو الرصيف .

وفي اول طلعة او درج الجرايرة إذ سكنا في بعض البيوت هناك ، كان يوجد فرن قديم لصاحبه «ابوفهمي ابو الروس» والذي كان حاد الطباع ويحب النظام والدور وينرفز على أقل حركة أو سؤال من زبائنه عند استفسارهم عن تأخر خبيز عجينهم مثلا.. لذا كان زبائنه يتجنبون نقاشه بل يلاطفونه مرغمين.. وفي المساء كان يؤجر فرنه لبائع الهرايس الفخمة جدا «المجدلاوي» حيث يخبز هرايسه في هذا الفرن ليأخذ السدور الجميلة والشهية جدا لبيعها مساءً فقط في وسط شارع طلال عند دخلة عجاج مقابل سوق اليمنية تقريبا.

 

مقهى شاكر

وعند المسير للوصول قبل نهاية شارع المهاجرين كان هناك مقهى شعبي صغير هو الوحيد في حي المهاجرين لصاحبه شاكر ابو سمير حيث يتجمع فيه كثير من الشركس والعرب والدروز من رجال حي المهاجرين وربما الاحياء الاخرى القريبة مثل رأس العين لقضاء الوقت ومحادثة الاصدقاء وللعب ورق الشدة وشرب الشاي والقهوة .

 وفي وقت العصر ومن خلال الجلوس على مقاعد القش القصيرة والصغيرة الموضوعة على رصيف المقهى فأن المشهد الفضائي سيكون ساحرا حيث تشاهد من هناك بساتين سيل عمان ومنتزه رأس العين بقرب النبع الشهير والنادي الاهلي وملاعبه ومهرجاناته وشركة الكهرباء وبرك السباحة والجسر الصغير الذي يربط حي المهاجرين برأس العين ومن جانبه مدرسة البنات وسوق الحلال والمقبرة والمسجد الترابي للعقيلات, وحي الدروز عند سفح جبل حي نزال واسراب الحمام وطائرات الاولاد الورقية في ايام الربيع والصيف. وفي اخر منطقة حي المهاجرين اي في مكان موقف السفريات الآن ومقابل المخفر كانت هناك بيادر الشركس حيث كانوا يأتون بالمحاصيل الزراعية من قمح وشعير وعدس من المناطق الزراعية من جبل عمان وام اذينة كي يقوموا بدرسها بطريقة بدائية على الدواب البقر والخيول في تلك المنطقة الشاسعة بجانب السيل الشهير.

 

عائلات وشخصيات

ومن شخصيات حي المهاجرين الشهيرة قديما منذ الخمسينات مثلا: الشيخ صالح الولي الصوفي والذي كان يلبس الثوب وعمامة الرأس الخضراء وكان يسكن في بيت صغير متواضع حيث كان كل يوم اثنين يقوم بعمل حلقة صوفية (دروشة) مع مريده لذكر الله والمدائح النبوية على قرع الطبول.

وقيل عنه ان البعض رآه في الحج رغم انه لم يكن هناك وقتها !!!! بل كان في عمان!!

ومن الشخصيات الاخرى الشيخ فليّح ، الذي قيل انه مات ودُفن في القبر ثم خرج منه فأختل عقلياً!!! وصار يمشي في شوارع عمان ينظر دائما الى السماء يتحدث بكلام غير معروف ..لكنه لم يكن يؤذي احداً, بل انه دائما سارح الفكر بثوبه الطويل – وقد شاهدته مرة في مقهى عليوه مقهى زهران وهو يشرب حوالي 10 كاسات شاي دفعة واحدة ويدفع ثمنها-!!.

وفي اخر منطقة المهاجرين قرب السيل كان يوجد منزل الداية «القابلة القانونية» المعروفة ام صلاح الشامية التي وُلد على يديها اكثر شباب وفتيات حي المهاجرين.

ومن اساتذة المدارس المشاهير حي المهاجرين الاستاذ سامي الشركسي و الاستاذ محمود الكالوتي, وابراهيم واحمد المعاني وهما من اشهر لاعبي كرة القدم قديما, ثم زكي بائع الساندوشات الشهير, وابو عوض المجبر للكسور, وهناك اسماء اخرى مثل: محي الدين توق, نايف مولا, رمضان ارسلان, خليل وابراهيم الجريري.

أما العائلات فمنها مثلا نذكر قديما: باتر, شحبولات, اومت ، بقة ، ماميلا ، وردم ، مولا ، باكير ، يدج ، الجرايرة, ميرزا, تسلستان, المعانية, العقاربة, بكج, الكركي, التميمي, عرار...الخ .