ابراهيم العجلوني

لعل الفرق اليوم بين الصحفي والمفكر أن يكون اشبه شيء بالفرق قديماً بين الراجز والشاعر، وقد امدتنا لزوميات أبي العلاء المعري بما يفيد في بيان قيمة كل من صاحب القصيد وصاحب الارجاز وذلك في مثل قوله:
قصّرتَ ان تدرك العلياءَ في شَرَفٍ
إن القصائدَ لم يُلْحَق بها الرّجَزُ
وقوله ايضاً:
ولم ارق في درجات الكريم
وهل يبلغُ الشاعرَ الراجزُ
وقوله كذلك:
ومن لم يَنَلْ في القولِ رُتبةَ شاعرٍ
تقنّعَ في نظم برتبة راجزِ
وفي الحق أن القطع بتأخر رتبة الراجز عن الشاعر أو غير متعلق بالايقاع الشعري ذاته، ولا بد ان ينظر اليه في ضوء حيثيات أُخرى. ونحن لا نعدم في الراجزين من هو اقوى شاعرية من الشعراء، كما لا نعدم في الصحفيين ايامنا من هو اعمق دراية بالواقع وانضج رأياً من كثير ممّن عُمّدوا مفكرين. على الرغم من ان الاصل في الاشياء او في منطق العقل ان يملك المفكر آفاقاً معرفية ومناهج نظر لا نملك ان نطلب تحققها في الصحفي الا على سبيل الندرة، او بافتراض ان الصحفي الذي يتمتع بمزايا المفكر الحق كان قد استحصد واكتمل بنيانه الثقافي قبل الاشتغال في الصحافة، نضرب لذلك مثلاً بالعقّاد حين اشتغل في الصحافة، او في محمود محمد شاكر فيما نعتبره استثناءً لا قاعدة مطردة.
وعوداً على الاختلاف بين الشاعر والراجز فان بنا ان نقول إنه ذو جانبين: جانب قيمي كما تبدى في ابيات المعري التي سبق ذكرها، وجانب فني موضوعي بصفة ان كلا من الشعر والرجز صنف مختلف عن الاخر «اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد وان في لزوميات المعري ما يدل على ذلك مثل قوله:
أوجزَ الدهرُ في المقالِ إلى أنْ
        جعل الصَمتَ غاية الإيجازِ
منطقاً ليس بالنثِرِ ولا –
- الشعر، ولا في طرائق الرّجازِ
وواضح هنا أن هناك ثلاثة أضرب «من القول هي النثر والشعر والرجز.
ثم أن المعري يقول:
والطيرُ مثل الإنسِ تعرف ربّها
        وترى بها الشعراءَ والرُّجازا
ومهما يكن الامر في هذه المسألة فهي مما لا نجده الا في بطون الكتب، اذ لا شعراء اليوم ولا رُجّاز الا بمعنى الطفرة الجميلة على حين كثرت ألوان الثرثرة (ولا نقول النثر) واتى على الادب القوي المتميز العفاء، واختلط على الناقدين الأمر وانتشر. ورحمَ الله آباءَكم=======