عن دار الندى للنشر في عمان ، استمتعنا بقراءة كتاب الدكتور علي الجاموس بعنوان» نصائح للتعامل مع الناس « وهو اختصار لكتاب «استمتع بحياتك» للدكتور محمد العريفي ، ومما جاء فيه مثلاً :
كسب القلوب فن من الفنون له طرقه وأساليبه .. هب أنك دخلت مجلساً فيه أربعون رجلاً .. فمررت بالناس تصافحهم ..
فالأول مددت يدك إليه مسلماً فناولك طرف يده .. وقال ببرود : اهلاًً .. اهلاً ..
والثاني كان مشغولاً بحديث .. ففاجأته بالسلام .. فرد ببرود أيضاً وصافحك دون أن ينظر إليك ..
والثالث كان يتحدث بهاتفه .. فمد يده إليك دون أن يتلفظ بكلمة ترحيب .. أو بيدي لك أي اهتمام ..
أما الرابع .. فلما رآك مقبلاً قام مستعداً للسلام .. فلما التقت عينك بعينه ابتسم وأظهر البشاشة بلقياك ..وصافحك بحرارة .. واحتفى بقدومك .. وأنت لا تعرفه ولا يعرفك !! ثم أكملت سلامك على الناس .. وجلست ..
بالله عليك ! ألا تشعر أن قلبك ينجذب نحو ذلك الشخص ؟!
بلى .. ينجذب إليه .. وأنت لا تعرفه .. ولا تدري عن اسمه .. ولا تعلم وظيفته ولا مركزه .. ومع ذلك استطاع أن يسلب قلبك .. لا بماله .. ولا بمنصبه .. ولا بحسبه ونسبه .. وإنما بمهارات تعامله .. إذن القلوب لا تكسب بالقوة ولا بالمال ولا بالجمال ولا بالوظيفة .. وإنما تكسب بأقل من ذلك وأسهل .. ومع ذلك فقليل من يستطيع كسبها .
وأذكر أن أحد طلابي في الكلية أصيب بمرض نفسي .. كان نوعاً صعباً من الاكتئاب ..كان والده ضابطاً يشغل منصباً عالياً .. جاء مراراً إلى الكلية وقابلني وتعاونا على علاج ابنه .
كنت أذهب إلى بيتهم أحياناً فأراه قصراً منيفاً .. وأرى مجلس الأب مليئاً بالضيوف .. لا تكاد تجد فيه مكاناً فارغاً .. كنت أعجب من محبة الناس لهذا الرجل وإقبالهم عليه .. مضت سنوات وتقاعد الأب من منصبه .. فذهبت إليه زائراً .. دخلت القصر .. ثم دلفت إلى المجلس وفيه أكثر من خمسين كرسياً .. فلم أر في المجلس إلا الرجل يتابع برنامجاً في التلفاز .. وخادماً يخدمه بالقهوة والشاي .. جلست معه قليلاً .. فلما خرجت جعلت أتذكر حاله لمّا كان في وظيفته .. وحاله الآن .. ما الذي كان يجمع الناس فيما مضى ؟
ما الذي كان يجعلهم يلتمون عليه مؤانسين متحببين ؟! أدركت عندها أن الرجل لم يكسب الناس بأخلاقه ولطفه وحسن تعامله .. وإنما كسبهم بمنصبه ووجاهته وسعة علاقاته ..فلما زال المنصب زالت معه المحبة .. فخذ من صاحبنا درساً !!.
وتعامل مع الناس بمهارات تجعلهم يحبونك لشخصك .. يحبون أحاديثك وابتسامتك ورفقك وحسن معشرك .. يحبون تغاضيك عن أخطائهم .. ووقوفك معهم في مصائبهم .. لا تجعل قلوبهم معلقة بكرسيك وجيبك !!.
والذي يوفر لأولاده وزوجته المال والطعام والشراب لم يكسب قلوبهم .. وإنما كسب بطونهم .. والذي يغدق على أهله الأموال مع سوء التعامل .. لم يكسب قلوبهم .. أنما كسب جيوبهم .. لذلك لا تستغرب إذا وجدت شاباً تقع له مشكلة فيشكوها إلى صديق أو إمام مسجد أو مدرس ..ويترك أباه .. لأن الأب لم يكسب قلبه .. ولم يحطم الأسوار بينهما .. بينما كسب هذا القلب مدرس أو صديق ..
وربما كسبه عدو حاقد !!.
إن قدرتنا على أسر قلوب الآخرين .. وكسب محبتهم الصادقة .. تمنحنا جانباً كبيراً من المتعة بالحياة ..
استعمل الطعم المناسب !!
فكل الناس يحبون التبسم في وجوههم .. ويكرهون العبوس والكآبة .. لكنهم إلى جانب ذلك .. منهم من يحب المرح والمزاح .. ومنهم من يستثقله ..منهم من يحب أن يزوره الناس ويدعونه .. ومنهم الانطوائي ..ومنهم من يحب الأحاديث وكثرة الكلام .. ومنهم من يبغض ذلك ..وكل واحد في الغالب يرتاح لمن وافق طباعه .. فلماذا لا توافق طباع الجميع عند مجالستهم .. وتعامل كل واحد بما يصلح له ليرتاح إليك ؟
أذكر أن عجوزاً صالحة – وهي أم لأحد الأصدقاء – كانت تمدح أحد أولادها كثيراً .. وترتاح إذا زارها أو تحدث معها .. مع أن بقية أولادها يبرون بها ويحسنون إليها .. لكن قلبها مقبل على ذاك الولد .. كنت أبحث عن البر .. حتى جلست معه مرة فسألته عن ذلك فقال لي : المشكلة أن إخواني لا يعرفون طبيعة أمي ..
فإذا جلسوا معها صاروا عليها ثقلاء .. فقلت له مداعباً وهل اكتشف معاليكم طبيعتها !!
ضحك صاحبي وقال : نعم سأخبرك بالسر .. أمي كبقية العجائز ..تحب الحديث حول النساء وأخبار من تزوجت وطلقت .. وكم عدد أبناء فلانة .. وأيهم أكبر .. ومتى تزوج فلان فلانه ؟ وما اسم أول أولادهما ..
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أعتبرها أنا غير مفيدة .. لكنها تجد سعادتها في تكرارها .. وتشعر بقيمة المعلومات التي تذكرها .. لأننا لن نقرأها في كتاب ولن نسمعها في شريط .. ولا تجدها في شبكة الإنترنت !!
فتشعر أمي وأنا أسألها عن ذلك أنها تأتي بما لم يأت به الأولون .. فتفرح وتنبسط .. فإذا جالستها حركت فيها هذه المواضيع فابتهجت ..ومضى الوقت وهي تتحدث .. وإخواني لا يتحملون سماع هذه الأخبار .. فيشغلونها بأخبار لا تهمها .. وبالتالي تستثقل مجلسهم .. وتفرح بي !!
هذا كل ما هنالك ..
نعم أنت إذا عرفت طبيعة من أمامك .. وماذا يحب وماذا يكره .. استطعت أن تأسر قلبه . نعم .. كل واحد من الناس له مفتاح تستطيع به فتح أبواب قلبه .. وكسب محبته والتأثير عليه .. وهذا تلاحظه في حياة الناس .. أفلم تسمع زملاء عملك يوماً يقولون : المدير .. مفتاحه فلان .. إذا أردتم شيئاً فاجعلوا فلاناً يطلبه لكم .. أو يقنع المدير به ..فلماذا لا تجعل مهاراتك مفاتيح لقلوب الناس .. فتكون رأساً لا ذيلاً ..نعم كن متميزاً .. وابحث عن مفتاح قلب أمك وأبيك وزوجتك وولدك ..
اعرف مفتاح قلب مديرك في العمل .. زملائك .. ومعرفة هذه المفاتيح تفيدنا حتى في جعلهم يتقبلون النصح الذي يصدر منا لهم .. إذا أحسنا تقديم هذا النصح بأسلوب مناسب.