د. نزار جمال حداد
رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الاردنيين
مدير مديرية بحوث النحل - المركز الوطني للبحث والارشاد الزراعي

لعل اسم المقال يبدو غريباً إلا أنك إذا استمعت لقصص أصحاب الشغف نحو البحث عن الدفائن الأثرية لتجد ارتباطاً وطيداً بين بذور الخروب ودفائن الآثار من ذهب وحجارة كريمة لدرجة تجعل قصص الأجداد تربطُ بين بذور الخروب وما يعرف بـ «دفائن الذهب»، وأينما حللت في مجلس لكبار السن وحاورتهم حول ما كانوا يجدونه على سبيل الصدفة او غيرها، اثناء حراثتهم للارض لتجدهم يقولون «فلان ما الو بالطيب نصيب» لكونه لم يجد غير أجرار بها بذور خروب، فهذه الحكايات لا حدود لها في جرش وعجلون وباعون وبيت راس والكفارات، وليس هذا بغريب فقد كانت بذرة الخروب هي الوزنة الرئيسة التي تستخدم في وزن النفائس الثمينة والتي تقدر بوزن أيامنا بـ 200 مليجرام وهو ما يساوي القراط الواحد، فالقراط في اليونانية هو ثمرة الخروب (ويساوي وزن خمس بذرات من بذورها غراماً واحداً أو خمسة قراريط)، وعلى الرغم من التباين البسيط في أوزان بذور الخروب إلا أنه فرق غير معنوي بالنسبة للأوزان في العصور القديمة، حيث لم تكن في ذلك الوقت موازين تستطيع أن تزن أوزان بدقة أعلى من 200 مليجرام (أي بذرة خروب)، فاعتمدها الصاغةُ والتجار لتكون أصغر وحدة قياس في حينها، وكان بيع بذور الخروب في العصور الرومانية تجارة بحد ذاته، حيث ان البذرة المستهدفة لتكون المعيار لا تؤخذ من طرفي القرن أو منتصفه، فبذور الاطراف تكون خفيفة ولعل بذرة الوسط ذات وزن اكبر، فكان لا بد من خبير فطين ومتمرس ليقوم بفرز القراريط المستهدفة ، والتي تصبح لاحقا سلعة بحد ذاتها، او ضالّة الذي « ما الو بالطيب نصيب»،

كما اني أخَالُ عصير الخروب  كان الشراب الثاني بعد الكركديه لدى الفراعنة. ليس ذلك فحسب فللفراعنة قصة خاصة مع الخروب، حيث تشير الاكتشافات الاثرية في الاضرحة الفرعونية إلى ان قرون الخروب وبقاياها كانت تكدس في صواني خشبية وتثبتها أشرطة من نبات البردي.   وقد دخل الخروب في صناعة الحنوط لتوضيب المومياء بأصباغ وأصماغ لاصقة، وقد اطلق الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد على الخروب اسم التين الفرعوني او المصري . كيف لا وقد كان من عتاد مقبرة الاسرة الفرعونية الثامنة عشرة. إلا أن المنطلقات لاسم هذا المقال أبعد من هذه القراءات التاريخية بكثير حول القراط وأوزان الحجارة الثمينة والفراعنة والإغريق واليونانيين وصائدي الدفائن.
فالخروب (Ceratonia siliqua) أصولاً  هو من أشجار البحر المتوسط في نشأته، ويعيش في مناطق معدلات سقوط أمطارها تزيد عن 250 ملم، والخروب ثابت الجذر يعيش في ترب صخرية وفقيرة، ولكون الخروب من الأشجار البقولية ذات الفلقة الواحدة فهو يخُصب التربة بتثبيته للنيتروجين فيها، صابغاً ً المكان برونق بديع، فهي شجرة دائمة الخضرة وذات تجمع تاجي يطغى على اغصانه حالة التواشج كمثل الجسد الواحد كالبنيان المرصوص، مما يجعلها ملاذاً للحيوانات الصغيرة و موئلاً للطيور، وإذا رانَ حر الشمس تصبح ملجأً للماشية وراعيها يستظلون في ظلها الظليل، يستمتعون بحلو ثمارها، فما سقط منها على الارض للغنم وما بقي منها على الشجر للراعي، او للعنزات الجريئات يتواثبن نحوها إن تَمكَنّ من ذلك.
والخروب من الاشجار السامقات، ويُداني عُلُوُّها العشرين مترا بحسب بعض المراجع العلمية. وتُعمِر شجرة الخروب حتى عمر يرنو إلى 300 عام. وأوراقها دائمة الخضرة، ومُركَّبة القِوام، تتألف من وريقات لامعةٍ مستطيلة أو بيضاوية ذات لون أخضر داكن من السطح العلوي، وأخضر فاتح من السطح السفلي، وملمسها جلدي يجعلها نَضِرة وبخاصة عندما تخلع غيرها من الأشجار حلّتَها من الأوراق خريفاَ، لتزداد الخروبة بهجةَ عقب معموديتها بماء الغيث، فتصبح لامعة ناصِعة بعد عنائها في فلترة الهواء من الغبار والغازات السامة. فالخروب يعتبر من افضل فلاتر الهواء الطبيعية بسبب تشابك أغصانه وأوراقه الكثيفة.
وفي فصل الخريف يزهو الخروب على إستحياء بنوارات تبدو كعناقيد صغيرة قصيرة الأعناق أرجوانية وصفراء اللون وحيدة الجنس، لا تظهر للعيان عن بعُد، لكنها تبدي جمالها لمن يقترب منها حتى يكاد يُعَانِقَ جذع الخروبة رافعا عينيه إلى العَلاء، ليرى أزهارا كأنها «ذيل الحِصِيني»، ملاصقة للأغصان، وتُزهِرُ في وقت يَعِزُّ فيه مثيلها في الخريف، لتكون كحبل الوريد للنحل وغيره من الحشرات، لتستعين بها على عناء فصل الشتاء بجمع الرحيق وحبوب اللقاح وكأنها تخزن قرشاً أبيض ليوم أسود.
واسم الخروب في أغلب اللغات قريب من اللفظة العربية للكلمة، وبحسب بعض معاجم اللغة يُعتَقَدُ أن أصل الكلمه عربي، وقد انتقلت إلى اللغات الأخرى بسبب التجارة، كما انتقلت الكلمة وبذورها إلى اسبانيا مع إمتداد الدولة الأموية، لتحجز لها مكانا دائما في البيئة واللغة الاسبانية على السواء. كما وجد الخروب لنفسه موطىء قدم في الأمثال الشعبية العربية، كالمثل الأردني القائل «مثل حلاوة الخروب» او المثل المصري القائل « زي الخروب قنطار خشب على درهم سكر» كناية عن عناء إستخلاص الحلاوة من ثمر الخروب مقارنة بغيره من ثمر الشجر، والمثل المصري الاخر القائل «أسود مثل قرن الخروب» في تورية للأيام الجِسام وحالكات الليل لِشِدّة سوادهن، وأيضا المثل الفلسطيني «النوم تحت الخروب غير مرغوب» فشجرة الخروب لا تعطي لمن ينام تحتها فرصة الإسترخاء طويلاً، فكلما هب نسيم عليل يغض النائم الطرف قليلا حتى يسمع حفيف الثمار الذي يشبه فحيح الأفعى، وإن سقط على النائم ثمرها المصحوب بفحيح الشجرة ضنّ أفعى قد لسعته، وفي إسقاطة جميلة للمثل اللبناني القائل «أجى مين يعرفك يا خروب»، في بيان صريح للفوائد الطبية والجمالية الجمةِ للخروب، كيف لا، ولبنان يعمل على إنتاج كميات وافِرة من عصير ودبس الخروب للاستهلاك المحلي وللتصدير على السواء، ولعلّه أحد الدول العربية الرائدة في هذا المجال بعد المملكة المغربية.
والخروب في الجغرافيا اسم مكان أيضا، فقد اٌطلق اسمه على العديد من مناطق جغرافيا الوطن العربي، وليس إستثناءً حال وادي أُم خروبة القابع غرب غابة الشهيد وصفي التل، وجنوب مرتفع تل الرمان موئل الحديقة الملكية النباتية الأردنية، فقد سمي الوادي بهذا الاسم لكونه كان موطناً لخروبة معمرة تم تحطيبها في مطلع القرن المنصرم لأسباب لا مجال للخوض في تفاصيلها. ومع أن الخروبة قد أُزيلت إلا أن الاسم ما زال حتى اليوم. وكان لي شرف زراعة بضع أشجار في هذا الوادي في عام 2000 بمعية الجندي الأخضر، المهندس عبدالله وريكات، رئيس قسم حراج زراعة عين الباشا في حينها.
وتستخدم أشجار الخروب في مشاريع التحريج ليس لقدرتها على تحمل الاعتداءات عليها فحسب، حيث يمكنها أن تجدد نفسها بعد احتطابها الجائر، بإطلاق نموات جديدة من المنطقة التي يلامس فيها غصن الشجرة المقطوعة تراب الأرض، وكأنهُ روح باعوث جديد يقيم الشجرة من الأموات. ويستخدم الخروب كخطوط نار حول وداخل الغابات الصنوبرية سريعة الاشتعال، لأن هذه الشجرة تستطيع أن تتحمل عناء الاشتعال، وتصد النار وكأنها جندي باسل يدافع عن وطن وشعب من الأشجار. وللخروب صولات في الشعر العربي، ونستذكر في هذا المقام قول الشاعر: «فيوما يشب مع الخروب خمودها   ويطفئ للحروب وقودها» في تورية شعرية بارعة تبين قدرة الخروب على اخماد النار من حوله.
أما الخواص العلاجية والاستخدامات الغذائية والصناعية للخروب، فحدث ولا حرج، وكما ذكرنا أعلاه، يعتبر عصير الخروب من أقدم العصائر التي عرفها الإنسان منذ حقبة تزيد عن خمسة آلاف عام، كما عُرف كمصدر هام لتصنيع المواد الحلوة من خلال صنع المربى أو تناوله بشكل مباشر أو بعد نقعه بالماء. ويحتوي مسحوق قرون الخروب على كربوهيدرات، وبروتينات، وألياف، وسكريات مختزلة وغير مختزلة، وكميات عالية من الكالسيوم والفوسفات، ومادة الجلاكتومالان التي تستخدم حالياً في صناعة صلصة بديلة للشكولاتة والآيس كريم ومشتقات الألبان والمربيات، وكمادة مغذّية تضاف على منتجات اللحوم مثل النقانق واللحوم المعلبة، وقد وجد أن لهذه المادة أيضاً خواص صناعية هامة، حيث أنها تُغلّظ قوام المواد الغذائية، وتعمل كمادة حافظة ومانعة للأكسدة، وأعطيت الرمز E410، وستجدونها على العديد من المواد المباعة في السوبر ماركت. وفي محاولة للعودة إلى الطبيعة دَأبَ العالَم المتقدم على البحث عن مواد ذات قيمة غذائية عالية، وخواص علاجية فاعلة، وبدائل للمواد التي قد تحمل تأثيراً سلبياً على صحة الإنسان. واعُتمد الخروب في عدد من دول العالم كبديل للشكولاتة لعدم احتوائه على مادة الكافيين ومركبات المثيلكسانثين والثيوبرومين، وكلها تحمل تأثيراً منبهاً وسلبياً على الجهاز العصبي، مما جعل الخروب بديلاً ناجعاً لها. هذا، وتبيع بعض محلات المنتجات العضوية عالمياً بديلاً للقهوة مصنوع من بذور الخروب المحمصة.
وتدخل مساحيق الخروب وبذوره كمدعمات للقيمة الغذائية للخبز، وتدخل في صناعة الحلويات، حيث يمكن استبدال حتى 40% من مادتي الطحين والسكر بدقيق الخروب وبذوره في صناعة الحلويات.
ومن المنتجات التجارية الأخرى مادة الجلاتومونان المستخلصة من الخروب والتي تستخدم في تصنيع الأحبار ومستحضرات التجميل ومعجون الأسنان ومواد اللصق والالتحام. كما و يستخدم في صناعة الأثاث والصناعات الحرفية والمنحوتات الخشبية ليجعلها متينة.
ولعل الكوليسترول من أكثر المشاكل المرضية انتشاراً بين الناس. وقد أثبتت الدراسات العلمية التي أجريت خلال العقد الأخير من القرن المنصرم أن التانينات الموجودة بكميات وافرة في ثمار الخروب وطحين بذوره لها دور هام في خفض مستوى الكوليسترول في الدم. كما اكتشف علمياً فعالية استخدام مستخلصات أوراق الخروب ومسحوق قرن الخروب في تثبيط الخلايا السرطانية، لاحتوائه على عدد من المواد القادرة على ذلك من بينها مادة البولي فينولات النقية. ودخل لحاء الشجرة وخلاصات القرون في صناعة علاجات للثآليل وبعض الأمراض الجلدية.
ولمضغ ألياف قرون الخروب وتناول منتجاته دور هام في خفض حدوث الأمراض المتعلقة بالقلب والأوعية الدموية. كما أنه فاعل في علاج الارتجاع المعدي لدى الأطفال. وتشير البحوث العلمية الحصيفة إلى فوائد شراب الخروب كعلاج للقرحة المعدية، فهو يشكل طبقة عازلة فوق القرحة المعدية، فيحول دون وصول أحماض وأنزيمات المعدة إليها، معطياً إياها فرصة للالتئام. كما دخل مسحوق قرون الخروب وبذوره في الصناعات الدوائية الصيدلانية من خلال تصنيع أدوية لعلاج الإسهال ونزيف المعدة وعلاج أمراض الفم.
وفي حوار مع الشيخة الجليلة، أم ذيب من جرش، في محاولة لاستنباط بعض المعارف الفلكلورية والموروثة حول هذه الشجرة من ذاكرتها، قالت:» كُنّا نستظل في ظلها، وإذا كُنّا قد نلنا رضا الوالد، كان يلتقط بعضاً من ثمار الخروب غير مكتمل النضج (أخضر داكن) ليغسلها ثم يهرسها، ويستخرج عصارتها ليضعها على طأس صغير من حليب الغنم. وما هي إلا برهه، حتى يتحول الحليب إلى «هيطلية»، ليجلب بعدها بعضاً من ثمار الخروب الجافة ليغسلها ويكسرها ويزيل بذورها ويدقها بالهاون، ويضعها على وجه الهيطلية لتصبح بعدها الجائزة لمن أحسن عملاً. وتتهافت عليها الأيادي. وما هي إلا دقائق حتى تجد الطاسة نظيفة وكأن شيئا لم يكن. كما أن مغلي الخروب كان علاجا للإسهال ولمغص المعدة؛ وحتى «يسند الطول» في كناية لقدرته على منح الطاقة للجسم، وتابعت الشيخة قائلة: «إذا كان حدى من العقب إلو ريحة ثوم كانوا إيخلوه إيلوك منقوع القرون» أي يمضع منقوع قرون الخروب بعد تكسيرها وإزالة البذور منها وتختفي الرائحة.  
وإمعاناً مني في طرح الأسئلة عليها لمعرفة إستعمالات أُخرى قد تكون عرفتها، قالت: «الخروب زينة وحلاوة فقد كان يغسل ويوضع إلى جانب أكواز الصنوبر والجريش والبطم والخبيصة المصنوعة منه أو من العنب، ليزين المنظر حول منقل القهوة المتقد في وسط الغرفة قبل قدوم الضيوف. وأضافت بأن الأهل والجيران كانوا يجمعون ثمار الخروب بعد جفافها ويفردوها على سدَّة المنزل لتخزينها وتناولها أثناء الشتاء. وتابعت حديثها، قائلة: «كانوا الختيارية إيسولفوا وأَنِي صْغيرة إنو لولا الخروب والبلوط أيام «سفربرلك» لومن أخذوا شباب مناطقنا إحاربوا بالجيش العصملّي كان الناس ماتت من الجوع»؛ وأضافت قائلة:»الناس الي ما منهموش (ليس معهم) يشتروا قهوة لانها كانت غالية كانوا يستروا على حالهم بعمل القهوة السادة من بزر الخروب المحمص، بس كانوا يزيدوا الهيل عليه إشوية وطعمته ما إبتفرق عن القهوة العادية»، وختمت حديثها تقول:»يرحم هذيك ليام».
وبعد رحلة علمية مع الخروب منذ عام 2001 وضمن بحوث من بينها ما هو منشور في مجلة علمية محكمة، وبعد مراجعة العشرات من البحوث والمراجع العلمية حول هذا النبات، وحتى لحظة لقائي مع أم ذيب الفاضلة عرفت أنني لم أكن أعرف شيئا عن الخروب. كان الأجدر بي أن أبداء رحلتي من عند أم ذيب ، ومن ثمّ الانطلاق من فضاء معرفتها الرَحِب نحو العلوم البحته، فكل ما خلص له العلماء من بحوثهم كانت أم ذيب تعرفة عن ظهر قلب، ولكن الحق يقال أنها لم تكن تعرف عن وجود مادة «الجلاكتومالان». وأكاد أجزم أنها لا تستطيع حتى أن تلفظها. ولعلها دعوة تذكير لي وللباحثين الزراعيين زملائي، للجلوس على التراب أولا، وإلى جانب من يعشق الأرض والشجر، كما تعشق الأم رضيعها، فتعلق بنا رائحة الأجداد وتراب الوطن، فـ « للحبِّ رائحةٌ .. وليس بوسعها ألا تفوحَ مزارعَ الدُّراقِ « عللنا بعدها نفلح في سبر ما تيسر من معارف.
وهنا أقول: أليس من الأجدر بنا كمواطنين قبل الدولة، أن نزرع خروبة خيراً من أن نلعن الدهماء. وأكاد أجزم بأن مشاريع التحريج الحكومية هامة، إلا أن ألأهم أن يزرع المواطن الشجر قبل وزارة الزراعة، فالشجرة التي يزرعها عامل مياومة (والذي نرفع أمامه قبعاتنا) هي على الأغلب وظيفة، أما الشجرة التي يزرعها مواطن عادي، فهي على الأغلب حالة وجدانية يتماهى فيها المواطن مع  روح تراب الوطن، في تفعيلة من بحور شعر المواطَنة، فتجده يحني الركبتين نحو الأرض ساجداً، يضع الشجرة بحنو ويغطي جذورها بالتراب وكأنه يغطي ابنتهُ لحظة نومها.
أليس بحق هذا الخروب من ذهب.  

drnizarh @yahoo.com