وليد سليمان

صباحك فُل وياسمين ... وطلعت يا محلا نورها شمس الشموسة ...
وفي أجواء مقهى الرشيد ببنائه الشرقي العريق صباحاً تنبعث أنغام وأغنيات الصوت السحري فيروز .. تشنف آذان رواد المقهى بمتعة الاستماع وهم يقرأون صحفهم اليومية ومن جانبهم فناجين القهوة الطازجة ورائحة الشاي بالميرمية والنعنع.. أما في المساء فيقول حسن مصطفى مدير هذا المقهى منذ (12) سنة : أننا نشغل مسجل الاغاني لرواد المقهى على أغاني سيدة الطرب الأصيل أم كلثوم حيث الروقان والانسجام في أوقات مابعد العصر والليل , فلكل وقت أغانيه التي تناسب نفس و مزاج الزبائن!!.
وتاريخ هذا المقهى يعود إلى الماضي القديم مع التحولات والمتغيرات التي طرأت عليه ... ففي البداية أنشىء فندق بلاط الرشيد وكان في الطابق الذي يعلو هذا المقهى وكانت هذه الصالة (أي المقهى الآن ) عبارة عن ديوان ومضافة وقاعة استقبال لزبائن المقهى وللزوار ممن لهم صلة برواده وأصحابه أيضاً .. ففي عهد قديم في الثلاثينات والاربعينات والخمسينات كانت هذه الصالة الشرقية الطراز أشبه بمنتدى اجتماعي وثقافي وسياسي لبعض نُخب و شخصيات عمان الشهيرة .. حيث يتداولون شؤونهم وشؤون الحياة آنذاك .
وعلى ما أظن !! أنه قديما كان لهذا الفندق بلاط الرشيد مقهى سماوي شبه مكشوف من فوقه معرش من البوص أو القش يجلس إلى طاولاته وكراسيه العديد من موظفي وتجار وشخصيات ومواطني عمان المقتدرين ..وكان يقع هذا المقهى في الطابق الأخير أي فوق مبنى الفندق.
ولكن ومنذ نحو عشرين سنة ألغي الفندق .. وقبل ذلك بعقود طويلة ألغي المقهى السماوي المرتفع جداً .. وظلت الصالة الأولى أو ما يشبه الديوان أو قاعة الاستقبال لتتحول إلى مقهى تراثي جميل وجذاب للنظر من الخارج ومن الداخل .
وعند تأسيس هذا المقهى بلاط الرشيد منذ عقدين أراد المسؤولون عنه تجميله أكثر و أكثر فقاموا بتوسيع شرفاته الخارجية المطلة على شارع الملك فيصل لتتسع للعديد من الطاولات الصغيرة والكراسي مع رسم وتلوين الواجهة الحجرية للمقهى بأعلام ورايات الدول العربية والأجنبية لجذب نظر المارة في الشارع من مواطنين وزوار عرب وسُواح أجانب .. مع كتابة لافتة تظهر اسم المقهى بلاط الرشيد باللغة العربية والاجنبية وتاريخ استخدام هذا المكان وهو العام 1924.
ويقع بلاط مقهى بلاط الرشيد في مكان فريد و ملفت جداً بشارع فيصل حيث من جانبه مخفر العاصمة ولايفصل بينهما سوى دخلة أو ممر يؤدي الى شارع بسمان.. ومقابله نشاهد من على الشرفة الواسعة للمقهى المبنى القديم للبنك العربي ودخلة سينما الحسين وكشك الثقافة لكتب حسن أبي علي ودخلة حلويات حبيبه وديوان الدوق ومدخل سوق الذهب ومقهى عفرا و مقهى السنترال , وبداية شارعي الملك الحسين والامير محمد وشارع الرضا , و بعض أجزاء من جبال الجوفة والقلعة واللويبدة .
و الجالسون على شرفة مقهى بلاط الرشيد ينسون أنفسهم وهم مستمتعون بتلك الجلسة وبتأملهم لفضاء عمان الشاسع وبهذه الأجواء المكشوفة من سماء زرقاء وهواء عليل وحركة الناس والسيارات .. وعند الدخول للمقهى سوف تدهشك درجاته شبه اللولبية المبلطة ببلاطات شرقية قديمة رائعة ... ويعلو سقف الدرج الأصالة ورائحة عمان الشعبية الأليفة .
وما ان تجد نفسك داخل المقهى حتى تجذبك رائحة الشاي والقهوة والمعسل ونار الفحم وأحاديث الرواد الشيقة الذين يجلسون الى طاولات واسعة ملونة داخل المقهى و في شرفاته الخارجية.
وتتجول عيون الفضول المدهش في مكونات المقهى الداخلية لتلاحظ هذه الحميمية والدفء النفسي لتنظر متأملاً في تلك الأقواس مابين قاعات المقهى ونوافذه القديمة القوية والتي أنشئت منذ ما يقارب المائة عام وظلت كما هي صامدة مع بعض الترميم والتجديد.. وكذلك بلاط ارض المقهى المزخرفة ظلت كما هي منذ إنشاء هذا المكان قديماً تحافظ على جمالها ورونقها... وهناك على جدران وعند زوايا المقهى تسحرك تلك التحف الأثرية من راديو قديم جداً كان يعمل على البطاريات الضخمة قبل وصول الكهرباء إلى عمان في زمن سحيق ... وتلفت انظارك كذلك لوحات أخرى جغرافية للأردن وأعلامه ولوحات أخرى مؤطرة ومحفوظة بالزجاج لعملات ورقية لخمسين دولة عربية وأجنبية قديمة.
وهذا المقهى الشعبي السياحي المبهج في تفاصيل بنائه وطابعه الشرقي العربي الأصيل ظل محافظاً على هدوئه ورونقه وزبائنه الخاصين حيث لا دوشة ولا صخب ولا خروج عن المألوف.
ومن متع إقبال الناس لإرتياد هذا المقهى هو تقديمه غير المشروبات الباردة والساخنة المعروفة هو تقديمه لشراب الكركديه المصري بلونه الأحمر ومذاقه اللذيذ .. فالعديد من الزبائن هم من شباب الجامعات والمثقفين والادباء والفنانين والمواطنين والموظفين والتجار والسواح يترددون عليه لعدة أسباب ومنها كي يستمتعوا بشراب الكركديه المنعش البارد ..ومنهم من يحب شرب أنفاس المعسل المصري كذلك.
وعند سؤالنا مسؤول مقهى بلاط الرشيد «حسن مصطفى» حول أنواع وتفاصيل المشروبات التي تقدم هنا قال: إنه شراب الكركديه , فنحن مختصون به كثيراً , حيث يأتي بعض الزبائن من أماكن بعيدة لشربه عندنا هنا وحيث يلاحظ بعض السياح هذا الشراب لدينا فيحبون ان يجربوه فيستلذون فعلاً بطعمه ومذاقه ... حيث نقدمه بالماء الصحي وبدون إضافات إصطناعية .. كذلك متخصصون بتقديم شراب الليمون الطبيعي من النعنع الطبيعي لزبائننا حيث يُسرون بتلك المشروبات الخاصة .. عدا عن المشروبات الأخرى المعروفة للجميع.
ومن فوائد الكركديه أنه شراب مرطب ومنعش لدوران الدم ولعضلة القلب, ويقتل الميكروبات ومنشط للهضم ويساهم بعلاج الزكام والرشح ويخفض ضغط الدم المرتفع , وله فوائد أخرى.
أما الليمون مع النعناع فلكل منها فوائد عديدة وكثيرة لا يغفل عنها أي إنسان للجسم ولصحته ونشاطه.

عالم الشاي والقهوة
وعن الشاي هذا المشروب العالمي يوضح حسن قائلاً : ان أكثر من يطلب شرب الشاي هنا في هذا المقهى هم من أشقائنا العراقيين الذين يفضلون شربه بكأس يسمى « الاستكانه» وهي كاسة زجاجية صغيرة مذهبة ونحيفة من وسطها , وتسمى هذه الكاسة في مصر» الخمسينة» أما في البعض الآخر وفي الاردن هنا فتسمى بـ(العجمية) فهذه الكاسة شكلها ظريف وجميل ويكون الشاي فيها على الأغلب ثقيل قليلاً أو أكثر حسب مزاج الزبون.. وعند سؤالنا لحسن عما تعنيه عبارة(شاي على ميه بيضا) قال: نضع شاي حلل ناعم جدا
مع السكر في قعر الكاسة , ثم ننزل عليها الماء الساخن بعد أن نميل الكاسة قليلاً حيث يكون صب الماء الساخن على جدران الكاسة من الداخل وليس مباشرة على الشاي والسكر , فيظهر بعد ذلك وكأن مشروب الشاي في منتصف الكاسة السفلي , بينما يظل الماء شبه صاف بلا تعكير في منتصف الكاسة العلوي وكأنه ماء أبيض مثلاً .
أما شاي الكشري فهو الشاي الحلل الناعم المغلي دون استعمال ميداليات أو فتلات الشاي المعروفة مثل اللبتون.
ًكذلك ومن عادات العراقيين انهم يحبون شرب القهوة بالفنجان وليس بالكاسة , ويقال ان عادة شرب القهوة بالكاسه هي عادة فرنسية والله أعلم !! وهناك من الزبائن من يطلب شرب القهوة بالكاسه الدوبل أي التي تشبه كاسة الماء الكبيرة!!.
وعن القهوة قال هناك أنواع عديدة لتجهيزها حسب طلب الزبون وهي تختلف حسب كمية السكر المضاف إليها:
- قهوة عالريحة أي السكر فيها خفيف جداً.
- قهوة سكر خفيف.
- قهوة أقل من الوسط.
- قهوة وسط.
- قهوة فوق الوسط.
- قهوة حلوه.
- قهوة فرنساوي أي حلوه كثيراً.
الفحم ...
وعن فحم أراجيل المعسل فإن أفضلها المستعمل في المقهى هو فحم الموالح المأخوذ من حطب أشجار البرتقال والليمون ويُستورد من مصر و السودان حيث هو الأفضل فرماد هذا الفحم ليس أسواداً مزعجاً ولا يُطفأ ويظل مشتعلاً لفترة طويلة .. وعن المعسل فان أكثر الطلب يكون من معسل التفاحتين والنخلة الأشقر .. ثم هناك أنواع أخرى مثل السوس والبريني و الفخفخينا وهو خلطة من الورود والفواكهة , هناك كذلك معسل العنب والتوت , والعنب والنعنع , والبطيخ والنعنع.. والزغلول المصري الذي هو أول ماعُرف عن المعسل قديماً.

كنت أجلس على الشرفة
وفي إحدى المقابلات الصحيفة قبل سنوات مع الفنان المصور الفوتوغرافي عبد الرحيم العرجان قرأنا أنه قال : ( يومياً كنت أجلس , في شرفة مقهى بلاط الرشيد في عمان ,و كنت من هناك أقوم بتصوير رواق أو ديوان الدوق بشارات , وعندما دققت النظر في الصور !! فإذا بالشخص الذي في الصورة على بلكونة ديوان الدوق هو أستاذي العزيز في المدرسة !! حيث ذهبت إليه هناك والتقيته.. والجميل انه كان مازال يذكرني بعد عشرين عاماً.