قضايا المجتمع كثيرة وأغلبها ما تتغلغل جذورها فيه وتظل عالقة مع الوقت،  وتنمو من جيل إلى جيل، وثقافة العيب هي من إحدى وأهم هذه القضايا، زرعت في عقول الناس، لتزرع في عقول أبنائهم، وهكذا أصبحت ميراثاً تتوارثه أغلبية العائلات في المجتمع، فتعابير الصدمة عند معرفة أن فلان يعمل ميكانيكياً أو حداداً أو عاملاً في أحد المجالات الأخرى، فتبدأ الأقاويل عنه، مثل : ( هذا كيف بده يتجوز؟)، (شو هل شغل اللي بيشتغله؟!)، والكثير من تلك الكلمات التي تؤدي بشبابنا للعزوف عن المهن الحِرَفية، فنظرة الناس لهذه المهن تعتبر من أحد أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور ثقافة العيب.
أصبحت المهن الحِرفية أكثر توافراً في أيدي العمالة الوافدة، وأصبح شبابنا لا يقبلون إلا بكرسي وراء مكتب، أو بالسفر خارج الوطن، وهكذا انتشرت ثقافة العيب بمعنى أنه لا يقبل أحد العمل كبائع في أحد المحلات أو العمل بإحدى المهن الحِرفية، وذلك بسبب تلك النظرة التي زرعتها عائلته به أولاً والبيئة التي تحيط به ثانياً تجاه تلك المهن، أخبرني أحدهم: أنه لا يستطيع تقبل فكرة أن يعمل داخل احد المطاعم ويقوم على حسب تعبيره (بخدمة) الناس ، وما فاجأني رده: أنه يوجد غيره من العمال الذين يعملون بدلا منه ومن غيره، وهناك ممن اعرفهم عملوا بأكثر من عمل كالبيع بالمخابز وتوزيع الصحف، ولا توجد عندهم أية مشكلة تجاه هذه الأعمال، ولكن تبقى النظرة غير المحبذة التي تستهجن هذه المهن ومن يعملون بها، أدت إلى فتح الباب لانتشار ( ثقافة العيب ) بين جيل الشباب، وبدورها شجعت أصحاب الأعمال على استقطاب العمالة الوافدة التي تقبل العمل بأجر زهيد، لتتحول العمالة الوافدة بعد زمن إلى ( معلمين في هذه المهن )، ونفقد شبابنا ليتحولوا إلى عاطلين عن العمل، وبالتالي تنتشر ( البطالة )، أو إلى (عمالة هجرة إلى إحدى الدول) ، وأيضا عدم قبول تزويج اغلب العائلات الشباب الذين يعملون بالمهن الحِرفية يعد من احد الأسباب التي أدت إلى انتشار هذه الظاهرة، فهل من اقتلاع لها من جذورها؟، وهل من تغيير لنظرة الناس إلى المهن والعاملين بها؟.
النظرة السلبية للمهن والعاملين بها، أدى وما زال يؤدي إلى الحد من قبول شريحة الشباب بها، وعدم توفير مميزات من قبل أصحاب المهن للمهن ذاتها وللعاملين بها من ( ضمان اجتماعي ، وزيادة بالرواتب ، وغيرها ) يؤدي إلى نمو الابتعاد عن المهن وعدم الاقبال عليها، فيا أيها الأهل قوموا بتوجيه أبنائكم إلى العمل الحلال مهما كان نوعه، فكثير من عمال الحِرَف استطاعوا أن يؤسسوا أعمالهم الخاصة ويطوروا من أنفسهم ويزيدوا من خبراتهم مع الوقت، فلا عيب من عمل يؤدي إلى رزق حلال يعود بالخير والنفع على الشباب وعائلاتهم، وحتى لا تظل ثقافة العيب تنمو إلى ما لا نهاية.
   مجد مالك خضر