هزاع البراري-لم تنطفئ جذوة قلمه رغم مرارة غيابه، فقد بقي حاضراً في فضاء الأدب والإعلام، وفي ذاكرة أصدقائه ومعارفه، كما هي جهوده ومنجزاته في الأدب والصحافة.
من أبرز كتاب جريدة الرأي الأردنية، ويعد قامة إبداعية كبيرة، شكل فقدها خسارة كبيرة، تزداد حدتها مع مرور الأيام، فقد كان دافئ الحضور، يستند على ثقافة واسعة، مقدماً نتاجاً أدبياً أصيلاً، وإطلالة صحفية عميقة الدلالة، مرتكزاً على الوجع الجماعي، حاملاً في تجاويف قلمه ارتكاسات القضايا الكبرى، فقد فطر الحس القومي، وحمل الوجع الفلسطيني في قلبه وحرفه، حيث ترجم انحيازه لوطنه الأردن، بانتمائه إلى المهمشين والضعفاء، وتركيزه على الأصالة والتجويد، بعيداً عن الكتابة السطحية، والإبداع الزائف، فقد كان له دور في كشف وحفز عدد من المواهب في مجال الكتابة الإبداعية والصحفية، كما تناول بالنقد والتحليل كثير من إبداعات الكتّاب في حقول الأدب المختلفة.
شكل الشاعر والناقد والصحفي أحمد المصلح، حالة ثقافية مميزة في الساحة الثقافية المحلية والعربية، كما كان تربوياً صاحب رسالة في بناء وجدان وفكر طلابه، وناشطاً اجتماعياً ونقابياً، فكان دائم الحركة والعمل، فلم يركن إلى الراحة حتى وفاته. ولد أحمد المصلح في قرية عصيرة الشمالية التابعة لمدينة نابلس، التي كانت حاضرة ثقافية وتجارية ناشطة، وكانت ولادته عام 1938، في فترة حرجة حيث برزت فيها خيوط المؤامرة الغربية الصهيونية، الهادفة إلى الاستيلاء على فلسطين وتحويلها وطناً لليهود، بعد تهجير سكانها والتنكيل بهم، ففي هذه الأجواء المشحونة والمليئة بالأحداث والتحولات نشأ المصلح، وتشبع بالمشاعر القومية المناهضة للاستعمار الغربي، والداعية لوحدة العرب وتماسكهم.
درس « المصلح «في مدارس نابلس، حيث بدأت موهبته في كتابة الشعر بالظهور، وكان مولعاً بالقراءة في مختلفة المجالات خاصة الأدب، وقد أصبح مراسلاً لعدد من الصحف في القدس، وكان حينها طالباً في المرحلة الإعدادية، حيث قام بنظم الشعر ونشره وهو على مقاعد الدراسة، وبعد حصوله على شهادة الثانوية العامة، أنتقل إلى سوريا من أجل إكمال دراسته، حيث التحق بجامعة دمشق، فقد دفعه عشقه للغة العربية والأدب، إلى دخول كلية الآداب، حيث درس اللغة العربية وآدابها، وفي دمشق التي تعد من أبرز العواصم العربية الحاضنة للحركة الثقافية والسياسية، خاصة في تلك الفترة، وخلال دراسته فيها نال ثقافة واسعة، وكانت له علاقات وصلات قوية، مع عدد من الشباب العربي، وتأثر بالفكر العربي القومي، الذي تصاعد بشكل واضح خلال تلك المرحلة، مرافقاً لحركات النضال والتحرر العربي، من شرق المتوسط إلى المحيط الأطلسي.
حصل على شهادة البكالوريوس في الأدب عام 1966، عاد بعدها إلى الأردن، حيث استهل حياته العملية، بعمله مدرساً في مدارس وزارة التربية والتعليم، وقد نقل حب اللغة العربية والأدب إلى طلبته أينما حل، وبعد مسيرة ناجحة في التدريس،عمل المصلح في مجال الإدارة المدرسية، وخلال فترة عمله في الإدارة المدرسية، درس الإرشاد النفسي، حيث نال شهادة الدبلوم العالي في هذا التخصص، وقد عمل في الإرشاد النفسي في المدارس، ولا شك أن هذا التخصص صب أيضاً في كتابته الإبداعية، في الشعر والأدب عموماً، وبقي مخلصاً لعمله التربوي دون أن يتخلى عن مشروعه الإبداعي، حتى أحيل على التقاعد من وزارة التربية والتعليم.
بعد تقاعده انضم « المصلح «إلى أسرة جريدة الرأي، التي وجد فيها ضالته، حيث شرعت لقلمه فضاءات الكتابة الصحفية، حتى صار وحداً من ألمع كتابها، فقد كان كاتب عمود حظي بمتابعة واسعة، وإلى جانب الكتابة الصحفية اليومية، عمل في مجال التحرير الصحفي في الجريدة، وتنقل بين أقسام الجريدة المختلفة، حيث كان مسؤولاً عن القسم الثقافي في الرأي، ومشرفاً على الملحق الثقافي لعدة سنوات، وبعد أن غادر العمل التحريري في الجريدة، بقي كاتب عمود ثابت فيها، متبنياً في كتاباته قضايا اجتماعية وفكرية وثقافية، ومتنقلاً بين النخبوي والعام بخفة وخبرة صحفية كبيرة.
نشط المصلح في العمل الاجتماعي والتطوعي، حيث عمل في ميدان الجمعيات الخيرية التعاونية، وبذلك يكون قد واكب بدايات العمل التعاوني في الأردن، هاجسه في ذلك تقديم الخدمات العامة لمن يحتاجها، وهو عمل أضاف لخبراته الحياتية والعملية الشيء الكثير، كما كان أحد مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين، وهي أم الهيئات الثقافية في الأردن، وقد شغل مناصب عديدة في هيئاتها الإدارية في أكثر من دورة، وكان على صلة وثيقة بالكتاب والإعلاميين، ومقرباً ومحبوباً من الجميع، وقد مثل الرابطة في مؤتمرات وندوات داخلية وخارجية عديدة، كما شارك بشكل شخصي في أمسيات وندوات خارجية ناجحة.
ترأس هيئة تحرير مجلة فنون التي تصدرها وزارة الثقافة، والتي وظف فيها خبرته في مجال التحرير الصحفي، ومن أنشطته الأخرى، عمله مندوباً لمجلة « شوؤن عربية « التي تصدرها جامعة الدول العربية، كما عمل مستشاراً إعلامياً للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية التابع لمؤسسة آل البيت، وفي الجامعة الأردنية عمل مستشاراً إعلامياً في العلاقات العامة والثقافية، ولم يتوقف عمله الإعلامي والثقافي عند هذا الحد، فقد سعت مؤسسات عديدة مهمة، إلى الاستفادة من خبراته وقدراته في هذه المجالات، حيث كان عضواً في عدد من لجان تقييم النصوص والمخطوطات في رابطة الكتاب الأردنيين ووزارة الثقافة.
أصدر في مجال الشعر والنقد عددا من الكتب المميزة، منها « أصوات من نافذة الغريبة « 1980، و» مدخل إلى دراسة الأدب المعاصر في الأردن « 1980، و» تجليات فاطمة « 1983، و» أدب الطفل في الأردن « 1983، و» ملامح عامة « 1985، و» طقوس خاصة للفتى كنعان « 1989، و» حكاية الفتى ناصر « 1989، و» صورة للحبيبة مرآة للعاشق « 1991، كما أصدر عام 1994 « تجليات مملكة السفر « وأصدر « التحدي والاستجابة في الثقافة العربية « 1995، و» ملامح الحياة الثقافية في الأردن 1953 – 1995 « 1995، واستمر بإصدار أعمالة الشعرية والدراسات النقدية بهمة عالية، حيث عاد وأصدر عام 2000 ديوان شعري بعنوان « وصية النهر «، وكان قد أصدر قبل هذا الديوان، كتاب في أدب الطفل، بعنوان « أدب الطفل في الأردن مؤشرات ومؤثرات جديدة « 1998، وأصدر دراسة أدبية بعنوان « ذاكرة الواقع وفضاء المتخيل الأدبي « 1999، وعن النكبة الفلسطينية التي وأكبها في صباه وشبابه، فقد أصدر كتاباً بعنوان « صدى النكبة الفلسطينية في أوراق شكري التاجي الفاروقي « 1999، وأخيراً أصدر عام 2000 عن وزارة الثقافة كتاباً بعنوان « ناصر الدين الأسد ناقداً وشاعراً «.
وفي عام 2002 بوغت الوسط الإعلامي والثقافية بوفاته ، فقدناه وهو ممسك بجمرة القلم، متكئاً على وجع الكتابة، فقد غاب فجأة، تاركاً مساحة من الحب والتسامح ومنجزاً غنياً، يبقى يذكر به يوماً بعد، فهكذا هم المبدعون الكبار، يبقى ذكرهم خالداً وإن غابوا، وأحمد المصلح حاضر لا يغيب.
[email protected]