د.عصام سليمان الموسى - انتشر استعمالُ المطبعة في أوروبا بعد اختراعها في العام 1439، لكنها تأخرت في الدخول إلى الدولة العثمانية حتى الثلث الأول من القرن الثامن عشر، وذلك بسبب القوى الدينية التي اتخذت موقفاً معارضاً لها.
يذكر أديب مروة في كتابه الصحافة العربية: نشأتها وتطورها، أن رجال الدين أفتوا بأن المطبعة رجس من أعمال الشيطان، لكن من منظور الاتصال يمكن أن يعزى صدور مثل هذه الفتوى إلى رغبة الجهات المحافظة ممارسة احتكار المعرفة والسيطرة على العقل؛ فالمعرفة بحد ذاتها قوة يمكن أن تتحدى السلطة.

 المطبعة العربية في أوروبا
قبل صدور الفتوى الدينية التي حالت دون استخدام المسلمين المطبعةَ في الدولة العثمانية، بيعت كتب مطبوعة في أوروبا في البلاد العثمانية. وتم هذا الإجراء بموجب فرمان أصدره السلطان مراد الثالث في العام 1588، وسمح فيه للتجار الأوروبيين ببيعها. وقد طُبع القرآن الكريم في البندقية للمرة الأولى في العام 1537، وذلك بعد أن أجازت طباعته محكمة التفتيش الكنسية.
من أهم الكتب العربية التي نشرتها المطابع الأوروبية، بالإضافة إلى القرآن الكريم: الإنجيل المقدس، والأجرومية، وكتاب القانون الثاني لابن سينا، و نزهة المشتاق في ذكر الأمصار والأقطار للجغرافي الإدريسي.


المطبعة: للأقليات أولاً
عرفَ العربُ العثمانيون الكتب المطبوعة في نطاق محدود منذ أواخر القرن السادس عشر، وذلك عن طريق أوروبا. لكن سماح السلاطين العثمانيين للأقليات الموجودة في الدولة العثمانية استخدام المطبعة بصورة استثنائية أتاح لأفراد تلك الأقليات الاستفادة من المطبعة.
لقد سُمح للأقليات الدينية بإدخال المطبعة واستخدامها بعد نصف قرن تقريباً من زمن اختراعها في ألمانيا (العام 1439)، فرخص السلطان بايزيد الثاني لليهود إقامة مطبعة خاصة بهم منذ العام 1494، على ألاّ يُصدروا كتباً بالحروف العربية، والاقتصار على الحروف العبرانية واللاتينية. وأقاموا نتيجة ذلك مطبعتين في سالونيك وإسطنبول.
وكان للأرمن مطبعة في مدينة سيفا منذ العام 1567، ولليونانيين مطبعة في إسطنبول منذ العام 1627. أما بالنسبة للعرب المسيحيين، فقد سمحت السلطة العثمانية لهم -بوصفهم أقلية طائفية- باستخدام المطبعة منذ العام 1610، أي قبل قرنين على الأقل من السماح بدخولها للولايات العربية.

مطابع العرب المسيحيين
شكّل العام 1610 بدايات الطباعة عند الأقلية المسيحية العربية، ولم تقتصر الطباعة على الشؤون الدينية، إذ ظهرت بعض المطابع الخاصة.
وكانت أول مطبعة خاصة قد ظهرت في العام 1641، إذ أنشأها بلفنطي في حلب، وقامت بطباعة ديوان ابن الفارض ثم كتاب المزامير. وابن الفارض شاعر صوفي له مكانته في الأدب العربي، وقد عاش في القرن الثاني عشر، ومن شعره الصوفي قصيدته التي يتغنى فيها بالذات الإلهية:
قلبي يُحدثُني بأنك مُتلفي    
روحي فِداك، عرَفت أم لم تعرفِ
لم أقضِ حق هواكَ إن كنتَ الذي
لم أقض فيه أسى ومثلي مَن يفي
ما لي سوى روحي، وباذلُ نفسه
في حب من يهواه ليس بمسرفِ.
لكن المطابع ذات الأثر الأكبر كانت دينية، وقد ظهرت منذ مطلع القرن الثامن عشر، ومن أبرزها مطابع حلب والموارنة في جبل لبنان.
لقد عملت مطابع حلب والشوير وبيروت، والتي كان مؤسسوها من رجال الدين المسيحي، على تعزيز نزعة المسيحيين العرب للحفاظ على شخصية مستقلة. ولا شك أن هذه المطابع استُخدمت في طباعة الكتب المدرسية التابعة للكنائس، ما أسهم في إيجاد جيل عربي متمكن من لغته. وكانت نظرة القائمين على هذه المطابع قومية.

السماح بالمطبعة
مع مطلع القرن الثامن عشر، أدرك المتنورون العثمانيون أهمية الطباعة ودورها في نشر المعرفة، وذلك حين لاحظوا نهضة أوروبا وتقدمها في جميع المجالات مقابل تراجع الدولة العثمانية وجمودها وضعفها، فكان لا بد من معالجة الأسباب. وصارت ترتفع في الدولة دعوات الإصلاح والانفتاح، خصوصاً بعد هزائم الجيوش التركية أمام جيوش الروس والنمسا. في خضم تلك الدعوات، تغيرت النظرة للمطابع، وصدر فرمان سلطاني بجواز استخدامها وطبْع جميع أنواع الكتب عليها، عدا كتب التفسير والحديث والفقه والكلام. وافتُتحت حينئذ مكتبة عامة. لكن عملية التحول هذه جوبهت بالمعارضة والرفض.

فتوى شيخ الإسلام بجواز المطبعة
أفتى شيخ الإسلام يكيشهر لي عبدا لله أفندي أثناء مشيخته (1718-1730) بجواز افتتاح أول مطبعة بالحرف العربي في إسطنبول نتيجة ضغوط من الصدر الأعظم إبراهيم باشا الذي كان راغباً مع السلطان أحمد الثالث (1717-1730) في إدخال إصلاحات للبلاد.
وقد حدث قبل ذلك ببضع سنوات، أن أوفد الصدرُ الأعظم السفيرَ يرمى سكز جلبي محمد أفندي إلى باريس (في العام 1721)، فقضى السفير فيها أربعة شهور وكتب كتاباً عن مشاهداته مبدياً اهتماماً واضحاً بالتطور التقني والصناعي الذي تشهده تلك البلاد. وعند عودته اقترح على الصدر الأعظم إقامة مطبعة في إسطنبول وفتح مكتبة عامة فيها.
وأعد إبراهيم متفرقة آغا (وكان من أصل مجري)، بالتعاون مع سعيد، ابن السفير جلبي محمد أفندي، الذي أصبح بدوره صدراً أعظم في ما بعد، والذي كان رافق والده في سفارته لفرنسا، مشروع تأسيس مطبعة في العاصمة. لكن الباب العالي لم يستجب لهذا الطلب أول مرة. وعاود متفرقة الطلب في العام 1726. ولمعرفته بموقف رجال الدين من المطبعة، فإنه لم يكتفِ بطلب إصدار فرمان من السلطان، بل طلب أيضاً صدور فتوى من شيخ الإسلام تسمح صراحةً بطباعة الكتب. وأرفق بطلبه رسالة وسيلة الطباعة التي أورد فيها حججاً تبين مزايا الطباعة، ذكر من بينها: أنها تضاعف إلى ما لا نهاية عدد النسخ من الكتاب الواحد، وأنها تراعي الدقة الكاملة للنص، كما أنها تعمل على إحياء المؤلفات الإسلامية التي كادت تنقرض، وتخفيض أسعار الكتب وتثقيف الرعية والقضاء على الجهل، وأن الخط المستخدم في الطباعة يمكن أن يضاهي خط اليد من حيث الجمال والتناسق.
وأضاف في رسالته أن توفر الكتب سيكون مدعاة لتأسيس مكتبات عامة لفائدة الناس، ومواجهة عملية إغراق الدولة بالكتب المطبوعة في أوروبا التي تُطبع هناك وتُباع هنا.
استجاب شيخ الإسلام عبدالله للضغوط التي مارسها عليه الصدر الأعظم إبراهيم باشا، وأصدر فتوى شرعية أجازت طباعة الكتب ما عدا تلك المتعلقة بالشريعة والفقه الإسلامي. بعد ذلك قام الصدر الأعظم، الذي كان متحمساً للمشروع، بإقناع السلطان أحمد الثالث الذي وافق بدوره على إصدار فرمان (خط همايون) يسمح بإنشاء المطبعة في تموز 1727.
وصدر ترخيص المطبعة باسم إبراهيم متفرقة و سعيد شلبي قبل أن يستقل متفرقة بها. وهكذا عُدّ متفرقة، وهو مجري الأصل، مؤسس أول مطبعة عربية في إسطنبول.
عملت الفتوى الدينية على مواجهة المأزق القائم حينئذ، فقسمت العمل بين الناسخ والطابع. لقد أبقت الفتوى للناسخ أو الخطاط، الذي أبدى مقاومة لمشروع المطبعة، صناعةَ نسخ الكتب الدينية وتخطيطها. بالمقابل، سمحت الفتوى في الآن نفسه للطابع (متفرقة وشريكه في هذه الحالة) طباعة كتب الآداب والعلوم؛ واشترط قرار السلطان مراقبة النصوص، فشُكلت لجنة مراقبة للمطبوعات مكونة من أربعة علماء، وكان من مهامها إصدار رخص لطبع الكتب.

ثورة باترونا وإحراق المطبعة
تضمّن أول كتاب طبعه إبراهيم متفرقة وشريكه، نشْر الفرمان السلطاني ورسالة وسيلة الطباعة التي واكبت صدور الفتوى الدينية وتقريظ علماء الدين لها، حتى لا يتركا مجالاً لمتقول بعدم شرعية ما أقدما عليه. وتم تأسيس مطبعة دار الطباعة العامرة في منزل متفرقة. وكان أول كتاب طُبع على هذه المطبعة كتاب الصحاح للجواهري مع ترجمته للتركية في العام 1728. وواصلت المطبعة طباعة الكتب حتى العام 1730، حين قامت ثورة بقيادة ضابط البحرية خليل باترونالي (الذي عُرفت الثورة باسمه) وشارك فيها المتشددون الذين لم ترق لهم التجديدات على الطريقة الأوروبية، وكذلك الخطاطون والعاطلون عن العمل. وكان من نتائج الثورة: عزل السلطان أحمد الثالث، وقتل الصدر الأعظم إبراهيم باشا، وعزل شيخ الإسلام عبدالله، وتدمير المطبعة.
هكذا، دفع الذين كانوا وراء الفتوى ثمناً باهظاً. لكن من يستطيع وقف حركة التاريخ؟ وبعد عقد من الزمان، أعيد بناء المطبعة، وبقيت تعمل بصورة متقطعة حتى العام 1783.
في ظل الظروف التي واجهت إنشاء المطبعة، لم يُطبع على مطبعة متفرقة، حتى ارتقاء السلطان سليم الثالث سدة الحكم في العام 1787 (أي قبل قيام الثورة الفرنسية بقليل)، سوى عدد يسير من الكتب لا يتجاوز سبعة عشر كتاباً، أي بمعدل كتاب واحد في كل ثلاث سنوات من حياة مطبعته. وقد طُبعت معظم هذه الكتب باللغات التركية والفارسية والفرنسية، وقلّة منها بالعربية، كمعجم الصحاح و إعراب الكافية لابن الحاجب (مع ترجمة تركية لهما).
أما كتب التاريخ التي نشرتها المطبعة فكانت ل تدعيم سلطة الأمراء العثمانيين، وكانت الترجمات من العربية والفارسية بهدف حذق ودراسة اللغة التركية التي استعارت في تلك المدة قرابة نصف ألفاظها من هاتين اللغتين، كما أن بعض الكتب لم تتوانَ عن الحديث على ضرورة الإصلاح وأسباب انحطاط الدولة. وتوقفت المطبعة أيام السلطان عبد الحميد الأول بسبب انشغال الدولة بالحروب في روسيا وبروسيا وفارس.
في تلك الأثناء، تطور موقف علماء الشرع الإسلامي في الدولة العثمانية إزاء فن الطباعة، فسمحوا بطباعة كتب الفقه الإسلامي باستثناء القرآن الكريم، وبدأت تظهر كتب الشريعة والفقه منذ العام 1803.
وحتى العام 1828، أي بعد مرور قرن على صدور الفتوى، لم يزد مجموع ما طُبع من كتب على 98 كتاباً، أي بمعدل كتاب واحد في السنة، وهذا من أوضح الأدلة على تخلف الإمبراطورية العثمانية وعدم مسايرتها للنهضة الأوروبية.
وفي العام 1831 قامت الدولة العثمانية بتأسيس مطبعة رسمية تابعة لوزارة المعارف باسم المطبعة العامرة استمرت في العمل حتى سقوط الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى.

المراجع
شقيرات، أحمد صدقي: تاريخ مؤسسة شيوخ الإسلام في العهد العثماني (1425-1922) المجلد الأول، إربد، الأردن، 2002.
صابات، خليل: تاريخ الطباعة في الشرق العربي، القاهرة: دار المعارف، 1966.
قدورة، وحيد: بداية الطباعة العربية في استانبول وبلاد الشام: تطور المحيط الثقافي (1706-1787)، الرياض-تونس: مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية/مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات، 1993.
محافظة، علي: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة (1798-1914)، بيروت، الأهلية للنشر والتوزيع، 1984.
مروة، أديب: الصحافة العربية: نشأتها وتطورها، بيروت: منشورات عويدات، 1970.
الموسى، سليمان: الحركة العربية: المرحلة الأولى للنهضة العربية الحديثة (1908-1924)، بيروت، دار النهار للنشر، 1977.