نصوح المجالي

في الورقة النقاشية الثالثة يحدد جلالة الملك اسس الارتقاء بالعملية الديمقراطية ويضع مساراً واضحاً لتطوير التجربة الديمقراطية والبناء عليها بشكل تراكمي ومستمر, ويحدد الادوار المختلفة لاطراف العملية الديمقراطية: دور المواطن وممثليه في البرلمان والاحزاب كساحة العمل السياسي والحكومات كأداة للتنفيذ وصولاً الى دور مؤسسة العرش «الملكية» كراعٍ وموجه لجميع السلطات.
فالمواطن بحسب جلالته هو الركن الاساس في العملية السياسية ووعيه يحدد الاتجاه والاختيار, والرقابة عبر البرلمان والاحزاب تبدأ من دور نواب الشعب في الرقابة على حكومة البلاد, فالمواطن ينتخب اعضاء البرلمان ويوفر القوة والامتداد للاحزاب التي تلعب دوراً اساسياً في تطوير وتجذير الديمقراطية، والقرار الوطني يرتكز حول دورالمواطن وحقوقه وواجباته وادائه في عملية البناء السياسي.
ويذهب جلالته بعيداً للمطالبة بدور للمواطنين بعد انتخاب البرلمان بادامة الاتصال والرقابة الشعبية على الاداء البرلماني ليستمر البرلمان في الاتجاه الصحيح, وتلك اشارة ضمنية الى ضرورة الارتقاء بتنظيم المجتمع وفق أطر حديثه جمعيات او تنظيمات مدنية او احزاب أو تجمعات تسمح بادامة دور المواطن بعد عملية الانتخاب, فالمواطن الواعي والمجتمع المنظم ضرورة لتقدم الديمقراطية واغنائها فالمواطن غير المتفاعل, يبقى خارج التأثير.
ويركز جلالته على دور الاحزاب ليعتبره التحدي الثاني بعد الوعي الوطني ومحرك الوعي والبوتقة التي يختمر فيها النشاط السياسي والوطني, والمعترك الذي تتجذر فيه الديمقراطية سلوكاً وقيماً وحواراً وتواصلاً بين افراد المجتمع, وصولاً الى قيم راسخة تقوم على التسامح والاعتدال واحترام التعدد السياسي والاجتماعي وسيادة القانون وحماية حقوق المواطنين.
حتى نصل الى الحكومة البرلمانية لا بد من ترسيخ التعددية السياسية والثقافة الديمقراطية واحترام الجميع لارادة الاغلبية وحقوق الاقلية, والحفاظ على فصل وتوازن السلطات.
فالحكومة البرلمانية في مفهومها السليم هي الحكومة الحزبية التي تشكلها الاغلبية, وتراقبها من داخل البرلمان حكومة ظل تمثل الاقلية.
غير أن مثل هذه التجربة تحتاج الى ضوابط ومنها احترام قيم وشروط الديمقراطية وتحييد الادارة حتى لا يطغى عليها لون حزبي واحد ولتبقى مؤسسة تقدم المساندة الفنية للحكومات على اختلاف مشاربها.
ومع تطور الاحزاب وقيام عملها على برامج قوية وملهمة وامتدادها في المجتمع لا بد ان ينعكس ذلك على تشكيلاتها وكتلها في البرلمان لتتبنى هذه البرامج لتصبح مادة للعمل والتنافس السياسي.
بناء الديمقراطية طريق واضح لا لبس فيه, فاذا ما تعجلنا فيه حرقنا المراحل ولهذا فتوزير النواب يجب ان يكون حصيلة لانجاز يتحقق في العملية الحزبية والتنظيم البرلماني والوعي على دور البرلمان والاحزاب والمواطنين في الحياة السياسية, وقد يأتي ذلك متدرجاً ليكتمل مع اكتمال بناء الديمقراطية القائمة على الوعي والتنظيم الشعبي والعمل الحزبي وحسن الاداء.
ويحذر جلالته ان الائتلافات الحزبية الضعيفة او الآنية التي لا تقوم على برامج قوية وفكر مشترك، قد تؤدي الى حالة سياسية غير مستقرة، ، وان على الاحزاب ان تنشط لتعميق دورها وتوسيعه في المجتمع، ليأخذ مكانه في البرلمان والحكومة، فالعمل السياسي يقوم على المبادئ والعمل المشترك والبرامج الموضوعية والقدرة على الاداء والتفاعل الايجابي مع المجتمع، والاحزاب الضعيفة تضعف العملية السياسية ولا تستجيب لتطلعات المواطنين.
ويؤكد جلالته ان البرلمان، مركز العمل والنشاط التشريعي والسياسي الذي يخدم المصالح العامة، وان الاساس فيه هو العمل الجماعي التشاركي الذي يخدم الشعب والدولة، وانه لا يجوز ان تطغى عليه المصالح الشخصية فلا بد من ايجاد توازن بين المصالح الوطنية والمصالح المحلية لتكون هذه المسؤولية الثنائية في افضل صورها، بعيدا عن التجاوز او الضغط او الفساد؛ ليعمل الجميع، حكومة وبرلماناً، ومؤسسات في مواجهة التحديات على المستوى الوطني، وليعمل النواب كل في دائرته مع الدولة لايجاد حلول، للقضايا المحلية، لكن الاساس ان البرلمان جسم سياسي واحد، دوره الاساس التشريع والرقابة التي تتوخى صون المصالح العليا، وخدمة المواطنين دون تعطيل للمسار السياسي والبرلماني لاهداف شخصية او ضيقة، فلا بد من ادامة التشارك والتشاور والتعاون بين السلطة التنفيذية والتشريعية، حتى تتكامل الادوار غير ان اساس التكامل العمل المشترك واستمرار ثقة النواب في الحكومة وثقة الشعب ، في اداء البرلمان والحكومة.
وللحديث صلة..