هشام البستاني - الجنازةُ مهيبة. سُجّيَ الجُثمان على عربةِ مدفعٍ وسار خلفها الناس: الوفود العربيّة، شيوخُ العشائر، والملك نفسه، يتقدّمهم جميعاً صفوفٌ من الثوّار: عمالقةٌ مُزنّرون بالرصاص، تهتزّ بنادقهم على الأكتاف مع وقعِ الخُطا القويّة.
أيّامٌ بطولها قضاها المئاتُ مُفترشين عباءاتهم وملتحفين السماء أمام بيت محمّد الحنيطي على انحدار جبل اللويبدة بانتظارِ النّعشِ القادم من حيفا. ما إن أطلّ من بعيدٍ، من آخرِ طريقِ السلط، حتى لَعْلَعَ الرّصاصُ. يومٌ كيومِ القيامة: ها قد عاد الشّهيد.
عبد الحليم النّمر ورجالات السلط «عَيّوا» إلّا أن يبيت النّعش عندهم يومين. «هذا الرجل ابننا» قالوا وأغلقوا عليه عيونهم، ثم ساروا به إلى عمّان.
ها قد عادَ الشّهيد.



 قبل عشرين يوماً
كلبُ الأثر، ذاكَ الذي أحضرهُ محمّد الحَمَد معه من حيفا ذاتَ عَوْدَة، يقفُ كُلّ ليلةٍ على سورِ الدار في أبو علندا، يواجِهُ الغرب ثمّ يبدأ بالنّواح، يبكي بكاءً مُرّاً يُقطّعُ القلب.
 «اذبحوا الكلب، تَرَى محمّد عُمْرُهْ ما يِرْجَعْ»، قالها أبو خالد مختار الحنيطيين، وكزَّ على أسنانه.

القافلة
أقصرُ الطّرُق الخطُّ المستقيم، وهكذا ساروا على طريق السّاحل. انطلقوا من بيروت يريدون حيفا بقافلةٍ من السيّاراتِ المحمّلةِ بالأسلحة وشاحنتينِ متروستينِ بالمتفجّرات.
في رأس الناقورة أبلغ عنهم الضابط الإنجليزيّ، وعندما وصلوا عكّا حذّرهُ سُكّانها: «يا محمّد بيك، ربما علمَ الصهاينة عن قافلتك، هناك أخبارٌ عن كمينٍ لكَ لم ينجح في عين سارة قرب نهاريّا. انْسَ الطريق السّاحليّ فهي مقتلك. عُدْ إلى بيروت ومنها إلى دمشق فإربد فحيفا، طريقٌ مسارُهُ ثلاثةُ أيّامٍ لكنّهُ سينقذ حياتك». «أو اشحن أسلحتك بالبحر» اقترح آخرون، «على الأقل، بِتْ عندنا الليلة».
«الطريقُ آمنة ثلاثة أيامٍ، والبحر حبالُهُ طويلة، وحيفا تركتها وحيدةً على الشرفة، تنتظر بحّارها الذي ركب أنهر الإسفلت نحو الشمال قبل أيام. حبيبة البحّار لا تنام، ولا تحبّ الانتظار». قال محمّد بيك: «يا إخوان، حيفا بلا أسلحة. لن ينتظرها هؤلاء الأوغاد. إنْ مسّوها سأكون قد مِتُّ حينها أيضاً. فَلأَمُتْ في حُضنها، مُحاولاً الدّفاع عنها، بدلاً من الموتِ متفرّجاً عليها تُستباحُ من بعيد»، ثم سار إلى الجنوب ولم ينظر إلى الخلف.
 
جلوب باشا
كانَ نبيهاً وذكيّاً ومتعلّماً، وكانَ الإنجليزيُّ المشوَّهُ «يَلُفُّ» على العشائر ليأخذ أبناءها جنوداً في جيشه.
محمّد الحنيطي، ابنُ الباشا حاكم المنطقة النافذ أيّام العثمانيين الذي كان يخيفُ جنودَ الأتراك نَهّابي البيادِر وآخذي السُّخرة، وابنُ الكُرديّةِ الدمشقيّةِ التي أصرّت على تعليمه فدرَسَ على شركسيٍّ ببابِ الجامعِ الكبيرِ في عمّان، كان ينامُ والكتابُ على وجهه. يحاجج ويناقش وينسكبُ الذّكاء من عينيه، فالتقطه «جلوب» فوراً، ليثبتَ جدارته في العسكريّة، ويعيَّن ضابطاً في حيفا.
وكما ينبغي لشابٍّ ذكيٍّ يحفر في رأسه الإنجليز والصهاينة كلّ يوم، صار الضابطُ يأخذ ما يقع تحت يده من سلاحٍ ويورّده إلى الأهالي. بعدها، جمع جنوده وخطَبَ فيهم: «يا رجال، تخلعون لباسكم العسكريّ مساءً، تلبسون المدنيّ، وتدرّبون الأهالي على القتال». وهكذا كان.
وكما ينبغي لقائدٍ عسكريٍّ ميدانيّ يعرف عدوّه ويعرف ما يتطلّبه الأمر لهزيمته، نسج علاقات دمٍ مع إخوة السلاح من الثوّار، والتقى بقادتهم المحليين: رشيد الحاج إبراهيم، وسرور برهم، والعبد الخطيب، وأبو نمر، ومحمد أبو عزيز، وأبو علي دلّول، وحسن شبلاق، وأبو إبراهيم عودة، وراشد الزفري، ونمر المنصور، وجميل باكير، ويوسف الحايك. صار البدويُّ الوسيمُ منهم.
هل قلتُ: صار منهم؟ ليسَ صحيحاً، لقد كان منهم منذ صاح معْلناً ولادته على أطراف الصحراء، وكانوا منه منذ أن سَحَبَ نَفَسَهُ الأوّل. كانوا واحداً. «أنتَ أُردني يا محمّد بيك، ما لكَ وللفلسطينيين؟» قال له «جلوب» وهو يُلَوّح بتقارير جواسيسه في الهواء. «يا باشا، أنتم من رسمتم حدود هذه البلاد، قَبْلَكُم ما كانت فلسطين ولا الأردن ولا لبنان ولا سوريا. قَبْلَكُم كنّا نَشْتَري من أسواق دمشق، ونُشَتّي على ساحل المتوسّط. يا باشا، دفاعي عن حيفا هو دفاعٌ عن قريتي أبو علندا. هاكَ رُتَبَك، فرُتَبُ الثوّار أعلى».
حين عاد من تلك المواجهة، كان مُزَنّراً بالرصاص وبارودته على الكتف: خلع زيّ العسكرية ولبس زيّ الثورة، وصار القائدَ العسكري الأعلى لحركة الجهاد المقدّس في لواء حيفا. لن يطَأَ بهِ أحدٌ بعد اليوم، ولن يُخفضَ رأسَهُ ولو جعلوهُ مَلِكاً:
«كَمْ مِنْ مَلِكْ جَبَّارْ ظالِمْ عَنِيدِ
ظَلّ على الدِّنيا يجَرْجِرْ ثْيابَهْ
أضْحَتْ عْظَامَهْ مِثِلْ حَثّ الصَّدِيدِ
واليومْ بالرِّجْلينْ كِلْمِنْ وَطا بَهْ».
لنْ يَطَأَ به أحدٌ بعد اليوم: وحّد القوّات المدافعة عن المدينة في جيشٍ صغيرٍ من ثلاثمئة وخمسين مقاتلاً، وزّعَهم على عشر مناطق، لكلّ منطقةٍ قائد. حيفا الوديعةُ التي تُلقي رأسها بدلالٍ في المتوسّط وتُعانِقُ الخليج، صارت نَمِرَةً بأنيابٍ ومخالبَ هم أولادها المنبثقون من رحمِها وما خانوا لَبَنَ ثديها.

مفرق كريات موتسكين، 7 كم شمال حيفا
ما إن عَبَرتهم درّاجةٌ ناريةٌ كالبرق، حتى وجدوا براميل تتدحرج أمامهم على الطريق، وانهارَ عليهم وابلٌ من الرّصاصِ والقنابل اليدوية. محمّد الحمد أمر سائقه بالاندفاع، وكذا فعل سائق الشاحنة الأولى، لكنّ حاجز النار كان أقوى فبدأ الاشتباك.
الشاحنة الخلفية استدارت عائدة إلى عكّا، لكن المقاتلين نزلوا إلى حيث قائدهم ينام على الأرض حاضناً بندقيته. كان «سرور برهم» يزحف ويتشقلب بين الأزيزِ وأنفاقٍ صغيرةٍ تتشكّلُ توّاً في الأرض ليصل إليه. «محمّد بيك..» هزّهُ بعنف، «رُدّ عَلَيّ يا خْوي..»، ومحمّد لا يردّ. كان خيطٌ رفيعٌ من الدم ينسابُ من حيث تلتقي شفتاه. كان هادئاً تماماً كما لم يكُن من قبل. لقد عاد محمد الحنيطي إلى حيفا.
بطرف عينه، شاهد «سرور» مسلّحي «البالماخ» يعتلون الشاحنة ويسيطرون عليها. تحسّس جيبه فوجدها. «عُرسُنا اليوم يا حبيبتي..»، قال وهو ينزع مسمارها، وركض. ثقوبٌ حمراءُ تفتّحت في ظهره. دبابيسُ مجنّحةٌ قطّعت أحشاءه، لكنّ يداً خفيّةً حملته، وقدمينِ ليستا قدميه دفعتا خطواته إلى أن وصل الشاحنة، وانفجر.
مساء يوم الأربعاء 17/3/1948، أقسم سكان الشمال الفلسطيني والجنوب اللبناني حتى صيدا، أن الأرض اهتزّت تحتهم، وأن بيوتهم تحرّكت، وأن رجُلاً شوهد يطيرُ في الهواء ويهبطُ على سطح إحدى عربات القطار المتوجه إلى عكا.
 
رائحةٌ من الغرب
«هيه يا عبد الرزّاق، هيه يا عبد الرزّاق..» صاح ولدٌ من خارج الباب، «صورة أبوك بالجرايد، قال استشهد». كان العنوان يغطّي الصفحة الأولى من صحيفة «الدفاع»، بالأحمر: استشهد الذي دوّخ الصهاينة. «كانوا يتهدّدونه في إذاعاتهم وما كانوا يتهدّدون الزعماء العرب..» ورد في نصّ الخبر. قامت أم محمّد وسكبت دلال القهوة على الأرض، وارتفعت الزغاريد.
حين كشفوا عنه أَمَام أهله، كان وجهُهُ كما في الصورة المعلّقة على الجدار، بل أشدّ بهاءً، وقال بعضهم إنه شمّ رائحةً عطرةً تنبعث منه: رائحةُ برتقال.
لم يتغيّر فيه شيء سوى صفٍّ من الثقوب في الصدر. «بَطَلْ يا وْلِيدِيْ، ما أَعْطِيتْ قَفَا»، قبّلتهُ أمهُ على جبينه، وسارت الجنازة.
خلف النعش مباشرةً، وفي صفوفِ العمالقةِ المُزنّرين بالرصاصِ المهتزّةِ بنادقهم على الأكتافِ مع وقعِ الخُطا القويّة، كان طفلٌ يركض متسلّلاً بين سيقانهم متدعثراً بأقدامهم. أحدهم دفعه بقسوةٍ، وصاح به: «رُحْ يا وَلَدْ إلعَبْ بعيد..».
«لا تْدِزّني، هاظْ أبوي..» قال الولد، فانهالت دموعُ العملاق إذ ضرب رأسه، وحمل ابن الشهيد على كتفيه.

بيان اللجنة القومية لمدينة حيفا (19/3/1948)
نعي شهداء أبطال..
هذه قافلةٌ من قوافل الشهداء تلقى ربّها عاملةً مجاهدةً في سبيل الوطن، ولا يسع اللجنة القومية لمدينة حيفا إلّا أن تنعى إلى الأمة العربية الكريمة زمرةً من خيرة أبنائها ورهطاً من أعزّ جنودها وهم:
 1- قائد حامية حيفا الباسل محمد بيك حمد الحنيطي.
 2- سرور برهم - أبو محمود، نائب القائد.
 3- فخر الدين عبد الواحد - مصري.
 4- عمر خالد الخطيب.
 5- أحمد خضر موسى.
 6- أحمد وجيه رحّال.
 7- يوسف الطويل.
 8- علي كبار.
 9- حسن سلامة - أردني.
 10- عطا الله سلامة - أردني.
 11- علي شجاع.
 12- محمد مصطفى خليل.
 13- سائق السيارة الأرمني ألبير.
استشهدوا جميعاً نتيجة اعتداء غادر في الساعة الثالثة من مساء يوم الأربعاء 17/3/1948.
واللجنة القومية، إذ تنعى هؤلاء الأبطال للأمة العربية، لَواثقةٌ بأن دمهم الطاهر لن يُنسى.

الانهيار
 17/3/1948: استشهاد قائد المقاومة المسلحة في حيفا محمد حمد الحنيطي ومساعده سرور برهم في كمين لقافلة الأسلحة التي كانوا يرافقونها، نفذته عصابات البالماخ الصهيونية.
 6-8/4/1948: فشل هجوم قوات جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي على كيبوتس مشمار هعيمق الواقع على طريق حيفا-جنين، والصهاينة يقومون بهجوم مضادّ يعزلون خلاله قرى عربية كثيرة ومحيط حيفا.
 8/4/1948: استشهاد القائد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل وسقوط القسطل.
 9/4/1948: مذبحة دير ياسين.
 22/4/1948: سقوط حيفا بأيدwي قوات «الهاجاناه» الصهيونية.
 14/5/1948: «بن غوريون» يعلن إنشاء دولة إسرائيل.
الهوامش
• كَمْ مِنْ مَلِكْ جَبَّارْ... إلى آخر القصيدة النبطيّة: من نظم محمد حمد الحنيطي نفسه.
• الرجل الطائر: هو محمود أبو سالم من قبيلة خضير - عشائر بني صخر، وكان حارساً شخصيّاً للقائد محمد الحنيطي، والشخص الوحيد الذي نجا من الكمين عندما رفعه الهواء الناتج عن الانفجار مئات الأمتار ملْقياً به فوق إحدى عربات القطار المتوجه إلى عكا.
• القافلة تنفجر: تروي بعض المصادر أن من فجّر شاحنة الأسلحة كان سرور برهم من خلال تفجير نفسه، فيما يروي عبد الرزاق محمد الحنيطي نقلاً عن الناجي الوحيد من الكمين محمود أبو سالم أن من فجر الشاحنة هو محمد الحنيطي نفسه بواسطة جهاز تفجير.