د. يوسف بكّار

 

(1)

ذهب محمد مهدي الجواهري (1900؟ - 1997) من النجف، إلى بغداد أول مرّة في العام 1924 بالجلباب والعباءة العربيّة وعمامة صغيرة؛ والعمامة هي لباس علماء الدين الذي فرضه والده عليه فرضاً إذ كان «مجرد ظلٍّ له ولوصايته المحكمة»، وخرج منها بعد وفاته. غير أن قصائده التي نشرها في صحيفة «العراق» العام 1920 قد سبقته إليها، حتى إن الشاعر محمد الهاشمي ردّ عليه مرحّباً بقصيدة عنوانها «إلى نابغة النجف» مطلعها:

أيها البلبل غرّدْ

            وانظم الآلام شعرا.

تحدث الجواهري نفسه في الفصل الثاني (شبح في بغداد) من «ذكرياته» فقال:

«ففي أول زيارة قمت بها لبغداد، كان من الطبيعي أن أزور الصحف التي تنشر قصائدي، وفوجئ أصحابها بصغر سنّي، خصوصاً أن شكلي في ذلك العهد كان لا يتناسب بشيء مع اسمي، إذ كان وزني لا يتعدّى الأربعين كيلو غراماً إلاّ بقليل.. كنت مثل شبح، ولشدّ ما فوجئت بحقيقة هذا الشبح عندما تصورت ولأول مرة في بغداد.. بغداد كانت بالنسبة لي عالماً مجهولاً، ذهبت لاكتشاف هذا العالم الجديد. زيارتي إليها كانت أشبه بعربي ملهوف يزور باريس لأول مرّة. ورغم بقائي يومين لا غير في بغداد، بقيت أشهراً أتحدث إلى محيطي عن اكتشافاتي فيها. وبلا مبالغة كنت أروي القصص كما كان يروي (كولومبس) اكتشافه لأميركا. أنا (كولومبس النجفي) يروي مغامراته المزعومة في بغداد. رسمت لهم صورة من الأسواق الكبيرة، وما تحويه المحلات، وكيف أن الغيد الحسان من بنات النصارى يمشين سافرات في الشوارع كأنهنّ حوريات، يا سبحان الله!

ما زلت أذكر أول مرة نزلت فيها إلى السوق، وكيف بهرتني الأشياء المعروضة في الواجهات. بعضها لم أكن أعرف ما هو! وقفت أمام حانوت. أُقسم أن الذي استوقفني لم يكن البضائع المعروضة، وإنما كان وجهاً جميلاً لفتاة في عمر الورود تتحدث مع صاحب الحانوت، ربما كان يغازلها، لا أدري! كلّ ما أعرفه أنني وقفت في مكاني مبهوراً بجمالها رغم العباءة التي كنت أرتديها والعمامة التي كنت أعتمرها. هذا (الشبح النجفي) لم يستطع مغادرة المكان، يا سبحان الخالق. ما تزال صورتها إلى الآن (1978) مطبوعة في ذاكرتي، وكذلك نظرة صاحب الحانوت الذي بدأ كأنه يقول لي: (ماذا تريد أيها المتطفّل؟ اذهبْ بعيداً ودعنا وشأننا). ومع ذلك بقيت في مكاني. أنا المتطفل المعدم، تسمّرت قدماي داخل الحانوت. حاولت شراء أي شيء مقابل بقائي، فما استطعت أن أدفع أكثر من ثمن صورتين صغيرتين لبعض الممثلات اللواتي كانت صورهن معروضة!

مفارقة طريفة: شيخ ذو لحية وعباءة وعمامة يشتري صوراً لممثلات كنّ مشهورات في ذلك الزمن! والأكثر من ذلك أنني حملت هذه الصور إلى النجف كأنني اشتريت هدية كبيرةّ!

كما أنني لم أنسَ أن أُحدّث أهل عشيرتي عن العربات التي تسير في شوارع بغداد...

وفي هذه الزيارة ولأول مرّة، وهذا شيء طريف، كنت أُجرّب ركوب السيارات، فكلّ ما كان عندي خلال مرحلة البدايات حتى بداية العشرينات، كانت رحلاتي ما بين النجف وأطرافها عبر ركوب العربات التي تجرّها الخيول».

وسرعان ما نظم الجواهري بعد عودته إلى النجف العام 1924، قصيدته «في بغداد» التي يتشوق فيها إلى بغداد. وقد شخّص في مطلعها نسمة الريح وطلب إليها:

يا نَسْمة الرّيح من بيْن الريّاحين

             حييّ الرُّصافة عنّي ثُمّ حيّيني

لا تَعْبقي أبداً إلاّ مُعطّرَةً

            ريّانةً بشذى ورْدٍ ونسرين.

ولم يَنسَ «الكرخ»:

ولي إلى الكرْخ منْ غربيّها طَرَبٌ

             يكاد من هِزّة للكرْخ يرميني

واللهِ لولا ربوعٌ قد ألِفْتُ بها

            عيش الأليفين أرجوها وترجوني

وأن لي من هوى أبنائها نَسَباً

            دونَ العشيرة للأصحاب ينْميني

لاخترتَها لي عُشّاً أستظلّ به

            عن الجنانِ وما فيهنّ يغنيني.

 واختزنت ذاكرة الجواهري أشياء كثيرة عن بغداد تحدث عنها في أخريات حياته سواء في كتابه «ذكرياتي» أو في «حواراته»، خصوصاً تلك التي أجراها معه صهره صباح المندلاوي.

لقد ظلّ يتذكر من مقاهي بغداد «مقهى حسين عجمي» في شارع الرشيد، التي كانت ملتقى لطلائع بغداد وأعلامها، والتي بدأ يتردد عليها خلال الفترة 1926-1928 إلى أن أصبح عضواً في المجلس النيابي في العام 1947/1948، وقد كتب فيها بعض قصائده كقصيدة «المقصورة» التي بدأها فيه وأكملها في البيت على نهر دجلة.

ولم ينسَ مقهى أو «كهوة عزاوي» في سوق «الهرج»، التي كانت مقهى شعبيّةً، وفيها راقصات ومطربات، والتي كان من روّادها.

بيد أن الجواهري الذي زار محافظات العراق زيارات «خطف» – كما يقول – بدأت منذ أيام التدريس وأيام الصحف التي أصدرها، وكانت تربطه علاقة قويّة بها، علاقة صحافيّة، استهوته منها اثنتان: البصرة والحلّة. وكان يقول في منفاه الدمشقي: «لو قدّر لي أن أعود إلى العراق لما اخترت غير البصرة أسكن فيها... بعدها الحِلّة»؛ لأن البصرة «كلّ شيء فيها، ما يوجد فيها لا يوجد في غيرها، إنّها تختلف عن العراق كلّه، إن أهلها معروفون بشيمتهم وكرمهم وطيبتهم... باختصار أموت على البصرة. درّست فيها مرتين». أما الحلّة، فلأن «موقعها جميل. قريبة من بغداد، وناسها منفتحون، بل إنها قريبة من النجف. درّست فيها مرتين ما بين عام 1930 وحتّى عام 1932».

 

(2)

ليس بدعاً، إذاً، أن كان لبغداد في شعر الجواهري موقع كبير ومهم. ولقد خصّها شاهداً وغائباً بثلاث قصائد مستقلة -تدخل فيها القصيدة السابقة (بغداد)– ومقطوعتين؛ وهي جميعاً متفاوتة في موضوعاتها.

ولم تغب عنه بغداد أو يذهل عنها، وهو في العراق والمنافي، في قصائد أخرى عددها ستّ وعشرون نظمها في مناسبات متفاوتة وفي تواريخ متفرقة من سنيّ عمره الذي امتدّ إلى ما يقرب من قرن. وقد باح هو نفسه أن لكلّ قصيدة ظروفها ونشأتها، وهي ثمرة نكسة أو فاجعة أو نتاج موقف في مراحل حياته كلّها، وأنه بطبعه حادٌّ ومتأزم ومتوتّر.

* * *

القصائد الثلاث المستقلّة، بحسب تواريخ نظمها، هي: «في بغداد» (1924)، «بغداد» (1925) و «كم ببغداد ألاعيب» (1957).

أمّا المقطوعتان، فهما: «بغداد في الصباح» (1960) و»حرامي بغداد» 1960.

القصيدة الأولى «في بغداد» مضى الكلام عليها؛ أما الثانية «بغداد» فتكاد تكون مكملة للأولى، خصوصاً أن الفاصل الزمني بينهما عام تقريباً؛ لأن الشاعر يبث بغداد هواه وحبّه، ويتغنّى بمناخها وما اتسم به «دجلة» وربوعها من جمال جلاّه ببعض الصور البيانيّة المرتكز بعضها على التشخيص، وقد بناها على «لاميّة» المعري، التي يجيب فيها ابن فوّرجة، وزناً وقافية:

خذي نَفَس الصّبا «بغدادُ» إنّي

            بَعْثتُ لكِ الهوى عَرْضاً وطولا

ودِجْلةُ حين تصقلها النُعَامى

            كما مسحت يدٌ خدّاً صقيلاً

ربوعُ مسَّرةٍ طابَتْ مُناخاً

            وراقَتْ مَرْبعاً، وَحَلتْ مقيلا

وَردْتُ نميرَها فحمِدْتُ بيتاً

            «لأحمدَ» كادَ لطْفاً أن يسيلا

«وردْنا ماءَ دجلة خَيْر ماءٍ

            وُزْرنا أشرف الشجر النخيلا.

وما أجمل الصورة الآتية التي تتكئ على بيان مصطلح «النّصبة» الجاحظي:

أدجلة، إنّ في العَبَرات نُطْقاً

            يُحَيِّر في بلاغته العقولا

فإن منعوا لساني عن مقالٍ

            فما منعوا ضميري أن يقولا

خذي سَجْع الحمام فذاك شعرٌ

            نظمناه فرتّله هديلا.

في هذه القصيدة تكاد تتضح سمات شعر الجواهري عموماً. فقصائده غنيّة بالانفعالات وتوهج العاطفة والتوحد بينه وبين الموضوع ومناسبته، وهو وإن لم يخرج على سنن العرب في صياغة الصورة التي لم يكن يهتمّ كثيراً بأناقتها، فقد كان يرسم لوحات نابضة بالحياة.

أمّا قصيدة «كم ببغداد ألاعيب»، فإن عنوانها يشف عن مناسبتها وعمّا في أحشائها. فحين كان الشاعر في دمشق تناهى إليه ما أصاب العراق من فساد واختلال شملا معظم جوانب الحياة السياسيّة والإدارية والاجتماعية والأخلاقية، فكان أن جأر بهذه القصيدة الصيحة الغاضبة التي هاجم فيها أهل الحَلّ والربط مباشرة، وسمّى الأشياء بأسمائها دون مواربة بأسلوب تأكيديّ ومفارق لا يخلو من الصور البيانيّة التي تعتمد التشبيه البليغ والتشخيص، وكلّ بيت من أبياتها الخمسة والخمسين يدل على مثلبةٍ ويكشف عن حالة. أوّلُها:

كم ببغدادٍ ألاعيبُ

            وأساطيرٌ أعاجيب

وأساطينٌ إذا امتُحِنوا

            فمهازيلٌ مناخيبُ

وعلوجٌ في بُلَهْنيةٍ

            في خناها يَعْبَقُ الطّيب

سُررٌ من فوقها بَقَرٌ

            بسبيك التّبْر معصوب

كذب التاريخ لا عَرَبٌ

            إنّهم لا بدّ تعريب.

ومنها:

خَزِيت بغدادُ من بَلَدٍ

            كلُّ شيء فيه مقلوب

فَلَق الإصباح غربيب

            ونعيق البوم تشبيب

وبيوتُ الفِسْق عامِرَةٌ

            وعرين اللّيْث منهوب

ورجال كالرّجال لحىً

            وشباب قُنَّعٌ شيب.

ومنها:

كم ببغدادٍ الأعيبُ

            وأضاحيكٌ أخاشيب

وعضا ريطٌ مرازبةٌ

            ويرابيعٌ يعاسيب

و «دساتيرٌ» مخرَقةٌ

            عشّشَتْ فيها العناكيبُ

وسياسات ملفّقةٌ

            وزعامات أساليب

«الفرات» العذْب لوّثه

            أنّه بالذّل مقطوبُ

ومشى في «دجلةٍ» خَنَثٌ

            لم تُعَوّدْه الرّعابيب

خزيت بغداد ليس لها

            مثل هذا «الفَحْل» يعسوب.

هذه القصيدة التي نُظمت عام 1957 تشف عن الحقبة التي سبقت ثورة تموز 1958، وقد كانت – كما يقول الجواهري نفسه– حاميةً فُرضت فيها الأحكام العرفيّة، وأُعدمت بعض القيادات الحزبية، وأُعلن «حلف بغداد»/ ما قوّى من عزمه على المواجهة، لأنه كان يعيش في صميم الأحداث ويقف في صف الناس. وهي لا تختلف عن قصيدته في هاشم الوتْري «إيه عميد الدار» التي نُظمت وأُنشدت في حزيران 1949.

من هنا قيل ويقال إن كثيراً من شعر الجواهري يُعدّ مرجعاً لدراسة تاريخ العراق المعاصر، ويمثّل جزءاً من حياة الشعب العراقي حتّى غدا جزءاً من التجربة العاطفيّة والذهنية والسياسيّة للأمة كلها مهما تتباين المواقف من الشاعر عينه. إنه القائل:

وأنا لسان الشعب، كلّ بليةٍ

            تأتيه أحمل ثِقْلها وأُصوّرُ

وإذا تفطّر من فؤادي جانبٌ

            حَدَبَتْ عليّ قلوبُه تتفطّر.

من هنا تتبدّى أهمية المناسبة أو أنه هو الذي يجعلها مهمة، وأهمية التسلسل الزمني أو تأريخ القصائد في فهم الجواهري وتتبّع أفكاره، لأن كلامه يتصل بأحداث العراق في خط تاريخي متّصل. إن هذا التاريخ من خلال شعره أشبه ما يكون بالمأساة الإغريقية يكون فيها الشاعر في كثير من الأحيان هو «الكورس» يعلّق على الأحداث، ويدفع بها إن استطاع منذراً، ساخطاً، داعياً إلى التمرّد.

* * *

أمّا المقطوعتان، فتعدّ كلٌّ منهما أربعة أبيات فقط، أُطلق عليهما لهذا «رباعيات» توهماً، سواءٌ كان العنوان من وضع الشاعر أو من عمل المشرف على إصدار الديوان. فمصطلح «الرباعية»، وهو فارسي أصلاً، يعْني أربعة شطور لا أبيات، لأن مقطوعة الأبيات الأربعة يُطلق عليها «مربّعة». إن يكن هذا من فعل الجواهري فهو غريب، لأنه عاش في إيران ويعرف الفارسيّة!

المقطوعة الأولى «بغداد في الصباح» ليست سوى وصف لبغداد وتَغنٍّ بها في صورة جميلة مرسومة من صور بيانيّة تشخيصيّة: «صفّق الديك» و «مشى النور» و «غسلت كفّ السَّنا»:

صفّق الديك: وقد زعزعه الفجرُ وألوى بالصّياحِ

ومشى النّور على الحقل وفوق الدّرب يُزهى والبطاح

آه ما أروع «بغدادَ» وأحلاها على ضَوْء الصباح

غسلتْ كفُّ السَّنا كلّ الجراحاتِ بها حتّى جراحي

اللافت في المقطوعة أنها ليست من بحر الرَّمل التّام ولا المجزوء، بل نظم الشاعر البيت فيها من خمسٍ من تفعيلة «فاعلاتن» أصلية ومزاحفة، وهذا تشكيل موسيقيّ خارجيّ جديد خارج على المألوف، لأن الرَّمَل التام يتألف من ستّ تفعيلات ومجزوءه من أربعٍ.

أمّا الأخرى «حرامي بغداد»، فهي بمَفْصِلها الواضح (التمنيّ) ذات مغزى سياسّي وطنّي ليس في حاجة إلى تفسير أو تأويل:

وَحرامي بغدادَ كان كبغدا

            دَ انطلاقاً ورقّةً وازدهارا

كان حلواً سمْح العريكة إذْ يخْـ

            ـطَفُ مالاً وإذْ يجوس ديارا

ليت قوماً في كلّ يوم يُبيحو

            نَ ذِماراً ويرفعون شعارا

كحرامي بغدادَ كانوا يَرِقّو

            ن نفوساً إذ يربحون تِجارا.

 

(3)

أمّا بغداد في ثنايا قصائد أخرى، فذكرها الجواهري في ستٍّ وعشرين قصيدة مؤرّخة كلّها ما عدا اثنتين، وهي جميعاً على وفْق تاريخ نظمها:

1- سلام على أرض الرُّصافة (1923).

2- عند الوداع (1926).

3- أيّها المتمردون (1928).

4- الأدب الصّارخ (1929).

5- الملك حسين (1929).

6- النزعة أو ليلة من ليالي الشّباب (1929).

7- إلى الشّباب السوري (1938).

8- أُحيّيك طه (طه حسين) (1944).

9- هاشم الوتري (1949).

10- اللاجئة في العيد (1952).

11- إلى الشعب المصري (1952).

12- كما يستكلب الذيب (1953).

13- قصّة (1956).

14- جيش العراق (1958).

15- باسم الشعب (1958).

16- المستنصريّة (1960).

17- أنتم فكرتي (1961).

18- يا غريب الدّار (1962).

19- يا دجلة الخير (1962).

20- يا ابن الفراتين (1969).

21- طيْف تحدّر من الشمال (1970).

22- يا رسول النّضال (1975).

23- إلى المجد.. إلى القمر (1978).

24- دمشق (1978).

أمّا القصيدتان غير المؤرختين فهما: «ناغيت لبناناً»، و «يا نديمي».

ليس في نيّتي أن أتصدّى لما ذُكرت فيه بغداد ذكراً أو أُشيرَ إليها إشارة عابرة في بعض القصائد، بل أتوقف عند الأهم مما تخطّى الذكر والإشارة.

فقصيدة «سلام على أرض الرُّصافة» هي من شعر المرحلة الأولى التي كثيراً ما تغنّى فيها الجواهري ببغداد وعلاقته الحبيّة بها وذكرياته فيها وعنها. وقد لوّنها بأنماط من الصور البيانيّة التشبيهية، والثنائيات البديعيّة الدّالة:

لياليَ بغدادٍ سَبَتْني وبَرْدُها

            إذا ما تصابى ذو الهوى لرُبى نَجْدِ

بلاد بها استْعذبتُ ماءَ شبيبتي

            هوىً، ولبستُ العِزّ بُرْداً على بُرْد

وصلتُ بها عْمرَ الشّباب وشَرْخَه

            بذكْرٍ على قُرْبٍ، وشَوْقٍ على بُعْد

لها اللهُ ما أبهى، ودِجْلةُ حَوْلها

            تَلُفُّ كما التفّ السّوار على الزّنْد

هواؤُكِ أم نَشْر من المسك نافِحٌ

            وأرضُكِ يا «بغدادُ» أم جَنّةُ الخُلْد؟

وهذا البيت الأخير، يذكّر بقول شوقي:

وطني لو شغلت بالخلد عنه

             نازعتني إليه في الخُلْد نفسي.

بيد أنه في نهاية القصيدة يعتب على أحبائه بالجفاء وانقطاع حبل المودّة معزّياً نفسه بقوله في مقطع القصيدة:

جفوتمْ ولم أُنكرْ عليكُم فلستُمُ

             بأوّلِ صَحْبٍ لم يدوموا على العَهْد.

وقصيدة «الأدب الصارخ»، التي جاءت تعبيراً عن استياء الشاعر من خلوّ ميدان الشعر عامة من الشعراء الملْتزمين ونعيه عليهم ذلك، اهتبلها فرصة للفخر بشعره كما فعل شاعره المفضّل المتنبي من قبل. أما بغداد خاصة، فهي:

وما بغداد والآداب إلاّ

            كما انتفخت طبولٌ من رياحِ

تُوفيّ الحرُّ من حقٍّ مُضاعٍ

            ومن عِرْض تمزّقه مُباح

ولمّا أن رأيت الشعر فيها

            أداةً للتشاحن والتلاحي

أنرْت ذُبالة مسرجتي بكفّي

            أُفتّشُ عن أديبٍ في الضواحي.

وكان الجواهري قد شكا قبل عام واحد في قصيدة «أيها المتمردون» (1928) من انعدام حرية الفكر في بغداد ناهيك بحال الشعر كذلك:

فلا تنشدوا حريّة الفكر إنّها

            ببغدادَ معنى نكبة وصِفاد

إلى اليوم في بغدادَ خَنْق صراحةٍ

            وتعذيب آلافٍ لأجل آحاد..

وخلّوا اهتضام الشعر إنّ حديثَه

            شجونٌ، أقضّت مضجعي ووسادي

خَلَتْ حَلْبَةُ الآداب إلاّ هجائناً

            مُلفّقةً سدّت طريق جياد

تشكّى القريضُ العابثين بحقله

            كما يتشكّى الروض وَقْعَ جرادِ.

وفي قصيدة «الملك حسين»، التي نظمها حين أشيع أن الحسين بن علي سيقضي أيامه الأخيرة في العراق بديلاً عن منفاه في «قبرص»، إشارةٌ مباشرة لما كانت عليه بغداد سياسيّاً في العام 1929، وإن لا تخلو من بعض الصور البيانية، وثنائيات البديع اللصيقة بالموضوع، ومن الأسلوب التعبيري:

أبغدادُ، وهي القَحْمةُ السّنّ خبرةً

            تُلهّى بألعابٍ كطفلٍ محمَّق

تُوقِّعُ باليمنى صكوكَ انعتاقها

            وتومي لها اليسرى بأن لا تُصَدّقي

وتَفْشلُ أسبابٌ لترقيعِ وَحْدةٍ

            تُمزّقها الأضغانُ شرّ مُمزّقِ

وشعبٌ تُمشّيه السياسةُ مكْرهاً

            على زَلَقٍ من حكمها كيف يرتقي؟!

وأكدّ في قصيدة «إلى الشباب السوري» التي أنشدها في الحفل الذي أقامه شباب دمشق له في خلال زيارته لسوريا ولبنان صيف العام 1938، تلاحُمَ بغداد مع دمشق ووقوفها إلى جانبها حين كانت الانتفاضة السوريّة على الاستعمار الفرنسي على أشدّها، أكدّ أنْ:

ثقي دمشقُ، فلا حَدٌّ ولا سِمَةٌ

            ولا خطوطٌ –كلعْب الطّفل– تُبْتدعُ

تُقْصيك عن أرضِ بغدادٍ ودجلتها

            أمّا «الفراتُ» فَنَبْعٌ بيننا شَرَعُ

إذا الجزيرة روّتْ منه غُلّتها

            روّى الغليلَ الفراتيون وانتقعوا.

واستغل الجواهري في قصيدة «هاشم الوتري» التي أنشدها في الحفل التكريمي لهاشم الوتري عميد كلية الطب آنذاك (1949) بمناسبة انتخابه عضو شرف في الجمعيّة الطبيّة البريطانيّة، استغل المناسبة ليحدد موقفه من الجوّ السياسي المحتدم حينئذٍ ليقول عن بغداد في جملة ما قال إنّ الحال فيها انقلبت إلى نقيض ما كانت عليه تماماً، مستذكراً تراث بعض الشعراء كعلي بن الجهم مثلاً، وملتجئاً إلى المفارقات العجيبة المؤلمة:

بغدادُ كان المجد عنْدك قَيْنةٌ

            تلهو، وعُوداً يستحثُّ الضّاربا

والجسر تمنحه العيونُ من المها

            في الناسبينَ وشائجاً ومناسِبا

الحمدُ للتأريخ حينَ تحوّلتْ

            تلك المرافِهُ فاسْتَحْلن مَتاعِبا

والجسر يفْخر أن فوق أديمه

            جثثَ الضحايا قد تركْن مساحِبا

حدّثْ عميد الدّار كيف تبدّلتْ

            بؤراً، قِبابٌ كُنّ أمسِ مَحارِبا!

كيف استحال المجدُ عاراً يُتّقى

            والمكرماتُ من الرّجال معايبا

وكان الجواهري قد وصف نثراً في العام 1968 حياة بغداد بعد استقلال العراق بقوله: «حياة بغداد كانت حياة صاخبة... كان يختلط الحابل بالنابل، والكلمة القويّة بالكلمة الضعيفة، والموجة الرصينة بالموجة الهوجاء. ولكن هذا كلّه كان يجمعه شعور وطني عام قد استغله، مع الأسف الشديد، كثير من السيئين من الساسة الأشرار من الانتهازيين الذين كانوا شبه مطيّة لمن يمتطي... هذه صورة من الصور. أما دوري فيها فكان دور المشتركين الآخرين ممن يملكون موهبة أو قابلية للتعبير الوطني القومي».

وانتقل الجواهري في «اللاجئة في العيد» (1952) من السياسي المحض إلى السياسي الاجتماعي، فقال مستنكراً مستغرباً مستهزئاً مفيداً من صور البيان التشبيهيّة:

وثَمَّ غربيُّ بغدادٍ ودِجلتها

            وتحت مُنْتَطَح الأطباق والحُجر

وحيث ترتفع الأسوار مُطْبِقةً

            على وجوهٍ صفيقات من الصَّعَر

عُشٌّ للاجئةٍ ضَمَّتْ جوانَحها

            على ضحايا لما سَمّوه بالقَدَرِ.

وظلّت الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة شغل الجواهري الشاغل، إذْ نظم في العام 1953 قصيدته «كما يِسْتكلب الذيب»، التي تعدّ واحدة من أهمّ هجائياته السياسيّة.. نظمها في بعض الحكّام ومسانديهم من طلاّب المجد الكاذب والزعامات المزيّفة، فقال:

عدا عليّ كما يستكلبُ الذيبُ

            خَلْقٌ ببغدادَ أنماطٌ أعاجيبُ

خَلْقٌ ببغدادَ منفوخٌ، ومُطّرَحٌ

            والطّبلُ للنّاس منفوخٌ ومطلوب

خَلْقٌ ببغدادَ ممسوخ يُفيضُ به

            تأريخُ بغدادَ لا عُرْبٌ ولا نُوبُ.

ورحّب بثورة تموز 1958 ومجّدها في قصيدتين «جيش العراق» و «باسم الشعب» التي نقلتُ منها بعض ما ذكر به بغداد في افتتاحية البحث، لكنه عاد في قصيدة «عيد العمّال» (1960)، وعرّض بزعيم الثورة تعريضاً واضحاً. وليس مستبعداً أن يكون ما قاله في قصيدة «أنتم فكرتي» بعد عام، وهو في براغ التي كانت واحدة من منافيه، بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لتأسيس اتحاد الطلاب العالمي، استكمالاً لما في القصيدة السابقة بصوتٍ عال وشكاة مدويّة وعتب شديد:

يا شباب الدُّنا وأنتمْ قُضاتي

            في شكاةٍ تَطْغى وأنتم شهودي

أنا في عِزّةٍ هنا غيَر أَنّي

            في فؤادي يَنِزُّ جُرْحُ الشّريد

لي عِتابٌ على بلادي شديدٌ

            وعلى الأقربين جِدُّ شديد

أفصقرٌ طريدةٌ لغرابٍ

            ونبيغٌ ضحيّةٌ لبليد؟!

يا «لبغدادَ» حيث ينتصف التأ

            ريخُ من كُلّ ناكرٍ وجحود

يا لها إذ يُقال كان على العُقْـ

            ـم لديها ما لم يكن لولود!

وضرب على الأوتار ذاتها في «يا غريب الدّار» التي نظمها ببراغ (خريف 1962)، لكنّه، وإن ذكر بغداد، كان يعني متصدي الأُمور فيها، على سبيل «المجاز المرسل»:

يا غريب الدّار لم تكـ

            فلْ له الأوطان دارا

يا «لبغدادَ» من التأ

            ريخ هُزْءاً واحتقارا

عندما يُرْفع عن ضَيْـ

            ـمٍ أَنالَتْه السِّتارا.

وفي «دجلة الخير» التي نظمها شتاء العام 1962 وهو في أوج أزمة نفسية حادة لاضطراره صيف العام 1961 ترك العراق هو وعائلته إلى مغتربه في تشيكوسلوفاكيا. لماذا دجلة؟ لأنه «أُمّ بغداد»:

يا أمَّ بغداد، من ظَرْفٍ ومن غَنَجٍ

            مشى «التبغدد» حتى في الدّهاقين

يا أمّ تلك التي من «ألف ليلتها»

            للآن يَعْبِقُ عطْرٌ في التلاحين

يا دجلةَ الخير: شكوى أمرُها عَجَبٌ

            إنّ الذي جئت أشكو منه يشكوني!

وما ذكره بغداد في قصيدة «يا ابن الفراتين»، التي أنشدها في مهرجان الشعر ببغداد الذي كان رديفاً لمؤتمر الأدباء العربال 0ام 1969، إلاّ تذكير بتلك المناسبة الأدبيّة:

خُبّرتُ للنثر في بغدادَ مؤتمرٌ

             يُزْهى، وأنّ نديّ الشعر مُحتشِد

وأن من مشْرق الفصحى ومغربها

            زُهْر النجوم على الشّطيْنَ تنتضد.

ومثل هذا يقال عن قصيدة «إلى المجد.. إلى القمر» التي نظمها العام 1978 إثر انعقاد مؤتمر القمة العربي الثامن ببغداد:

إلى المجد مستقبلٌ يُصْنع

            ببغدادَ من حُسْنها أروع

كأن بغدادَ عِرْس الربيع

            تُزَفّ به أربعٌ أربعُ.

وما أحسن ما قال مخاطباً نهر «بردى» السوريّ:

ويا بردى أيّها السلسبيـ

            لُ من كلّ عِرْقٍ بنا يَنْبُعُ

دَلفنا إليك نَزِفّ الهوى

            ونشكو من الوجود ما نَنْزع

أحقّاً صددتَ عن «الرّافديْن»

            وبابُهما بابُك المُشْرَع

و «شامك» «بغدادنا» المزدهاةُ

            و»بغدادنا» «شامك» الممتع.

والأهم رجاؤه في هذا البيت:

عسى «يوم بغدادَ» يُلْغي الحجابَ

 ويَنْهى النُّهاةَ وما شَرَّعوا.

وتوأمَ في السنة نفسها (1978) بين دمشق وبغداد في قصيدته «دمشق: يا جبهة المجد» التي أنشدها في الحفل التكريمي الكبير الذي أقامته وزارة الثقافة والإرشاد القومي السوريّة تكريماً له إذ كان ضيفاً عليها:

قالوا: دمشقُ وبغدادٌ، فقلت: هما

            فجرٌ على الغد من أمسيهما انبثقا

ما تعجبون؟ أمن مَهْدينِ قد جُمعا

            أم توأمين على عهديهما اتفقا

من قال أن ليس من معنىً للفظتها

            بلا «دمشقَ وبغدادٍ» فقد صدقا

فلا رعى الله يوماً دسّ بينهما

            وقيعةً، ورعى يوميهما ووقى.