ناجح حسن-اكثر من أربعة عقود من الزمان مضت على انجاز أول فيلم تجريبي في السينما المصرية قام باخراجه السينمائي المصري مدكور ثابت (غيبه الموت الشهر الفائت عن عمر 68عاما) في اول محاوله له لتحقيق عمل روائي طويل له عن قصة نجيب محفوظ المعنونة «صورة».
تخرج ثابت الذي عد من بين منظري السينما الجديدة في مصر، ضمن الرعيل الاول من المعهد العالي للسينما بالقاهرة , وحصل على درجة البكالوريوس قسم الاخراج العام 1965, وعين معيدا بالمعهد في العام التالي, ثم مدرسا في العام 1972،  ليكون من بين اوائل اعضاء هيئة التدريس في المعهد، و تولى تدريس مواد مثل : تاريخ السينما العالمية, وبناء السيناريو, وحرفية الاخراج السينمائي, و اشرف على مجموعة سنويه من افلام التخرج لقسمي الاخراج والسيناريو, واستاذ الورشة الابداعية في الاخراج السينمائي, كما اشرف على حلقات الابحاث التمهيديه الخاصة برسائل الدكتوراه في جميع تخصصات المعهد.
 كان ثابت عضوا بارزا في حركة السينما الشابه بمصر في الستينات, كتب واخرج  اول افلامه التسجيلية «ثورة المكن « العام 1967, وحصل على الجائزة الاولى في اخراج الافلام التسجيلية في مهرجان الاسكندرية العام 1969 .

النظرية والابداع
بدأ الراحل الذي نال شهادة الدكتوراه من معهد السينما في موسكو بممارسة التجريب في السينما منذ العام 1969، فقد عمل مراسلا حربيا سينمائيا على طول جبهة القناه في حرب الاستنزاف بين اعوام 1968 – 1973، ونال جائزة الاخراج الاولى عن فيلمه التسجيلي «السماكين في قطر « من مهرجان قرطاجنه السينمائي الدولي لافلام البحر العام 1993،  وكتب دراسات في السينما المعاصرة , والفيلم التجريبي , منها في  العام 1993 حيث صدر له كتاب «النظريه و الابداع في سيناريو واخراج الفيلم السينمائي»،  وفي العام 1994 أصدر كتاب « الكسر النسبي في الايهام السينمائي»، وانجز مؤخرا اكثر من مؤلف سينمائي منها «مأزق الفنان السينمائي»، و كتاب تضمن قصة وحوار وسيناريو لمشروع فيلم روائي طويل يحمل عنوان « ثلج فوق صدور ساخنة «، كما عمل منذ سنوات وكيلا لوزارة الثقافة المصرية، ومديرا للمصنفات الفنيه قبل احالته على التقاعد والتفرغ للبحث والكتابة والتدريس في اكاديمية الفنون بالقاهرة، حيث اشرف على سلسلة من ادبيات النقد السينمائي المسماة (ملفات السينما).
بعد خمس سنوات من ظهور اول روايه لنجيب محفوظ في السينما وهي رواية «بداية ونهاية» العام 1960، بدأ العديد من السينمائيين في مصر الانتباه الى روايات وقصص هذا الاديب النابه واجواءه المفعمة باشكال من البيئة المصرية، كان من بينهم مدكور ثابت حينما اخذ على عاتقه تحويل قصة قصيرة (صورة) من مجموعة محفوظ (خمارة القط الاسود) التي صدرت العام 1969، وقدمها في فيلم سينمائي مدته 60 دقيقة في فيلم روائي طويل في العام 1971، اشتمل على فيلمين اخرين قصيرين، اعاد المخرج سعيد مرزوق باسلوبيته الواقعية في فيلم روائي طويل حمل عنوان «المذنبون « العام 1976 .
سعى مدكور ثابت القصصي بفيلمه (صورة) ان يطبق بعضا من افكاره النظريه حول لغة السينما, وجاء فيلمه تجريبيا بكل معنى الكلمه , مما ادهش النقاد و المشاهدين والمتابعين لمسيرة السينما المصريه , حيث توقفوا مطولا بالدراسه والتحليل لهذا الاسلوب الجديد في اخراج عمل سينمائي ياتي من داخل السينما المصرية المعروفة انذاك بنمطها السينمائي المعهود في السرد وبناءها الدرامي المالوف الذي لاتحيد عنه بتاتا, وهو المستمد اصلا عن مفاهيم الفيلم الهوليودي ولكن بامكانيات متواضعة .
من هنا جاءت المفاجأه في اقدام مدكور ثابت على انجاز فيلم باسلوبية الفيلم التجريبي , حيث صدم فيه المتلقي بمحاولة عمل فيلم لايطبق فيه القواعد المتعارف عليها في الفن السينمائي من حيث الموضوع او المعالجه او الاخراج او التصوير او التوليف او المناظر ...الخ, اضافة الى تحرره من تراث السينما المصريه الغزير بانتاجه في تلك الفتره, وكان واضعا صوب عينيه اثارة ردود فعل من الانجذاب و النفور لدى المشاهد .
ان هذا النوع من الاسلوبيه التي قدمها المخرج ثابت في «صوره» والتي اطلق عليها  اسما اخر «حكاية الاصل والصوره في اخراج قصة نجيب محفوظ المسماة صوره»،  لمن المؤكد اننا لانستطيع الوصول الى ادراك المعنى الحقيقي لموضوعه لا بوضعه في سياق الحياه السياسيه و الا قتصاديه والاجتماعيه التي كانت تعيشها مصر سنة انتاجه في نهايه الستينيات و بداية حقبة السبعينيات من القرن المنصرم حيث انشغل مخرجه الى طرح تركيب معنوي جمالي باشكال جزئيه تتابع فيها مجموعة صوره السينمائيه كان ينبغي على المتفرج اما تقبله او رفضه او السعي لتغيير ما هو سائد في ذائقته في محاوله لتفجير الامكانيات الفنيه والجماليه للسينما المصريه وتخليصها من القيود التي لازمتها بفعل الانجرار خلف سراب هولييود و مفاهيمها، والسينما كفن عالم وانساني مرهف تستطيع ان تنير مواضيع خالده من خلال لغتها الخاصه لان تالفا مع اللقطات المتنوعه وحركة الكاميرا ونمط المونتاج يجعل المتلقي يدرك بشكل واضح لا لبس فيه الملكات البصرية اكثر من القصة، كما وان تجربة التقطيع السينمائي تحتل عناصر جديدة للعمل على الصعيد الدرامي .

صخب وجدل
اثار فيلم «صورة «, الكثير من الصخب والجدل في اوساط النقاد والمشاهدين وجرت مناقشته مطولا من ناحية موضوع طبيعة صناعته او جمالياته السينمائية, فهو عمل بمثابة مقدمه لدراسة عدد من المسائل والمفاهيم النظرية, منها بصفه خاصه: الصله بين فن المونتاج وفن السينما , ومعنى نظريات و ابحاث المدرسة التجريبية، ناهيك عن مشكلة الاقتباس وامانة المخرج في اللعب على البناء الدرامي للقصة وترتيبها سينمائيا داخل فيلم لتؤدي الى عمل فني جديد , و فيه يكسر مخرجه حالة الاندماج بين المتفرج والشاشة حسب اسلوبية بريخت, وهو ما اطلق عليه مخرج العمل لاحقا في اكثر من دراسة سينمائية اشتغل عليها, الكسر النسبي للايهام, وفيه يهدف الى تحريك حواس المتفرج لجماليات العمل,  والاحساس التام بكل مفرداته بانتباه و يقظة مركزين.
يستهل الفيلم اولى مشاهده بصوره لفتاة قتيلة على الصفحات الاولى لجريدة, وجوار الصورة اخبار وتعليقات ومانشيتات عريضة لعناوين تشير الى الحالة السياسية السائدة في الزمن الذي تسري فيه احداث الفيلم, بكل سهولة يتبين لنا ان الفترة التي يناقشها هي الفترة التي عرفت بحرب الاستنزاف على ضفتي قناة السويس، وبالقرب من الجثة يصور الفيلم شخصية فتاة تعمل صحفية بانتظار مصور الجريدة لالتقاط صورة للقتيله التي تصفها الصحف بانها مليونيرة اجنبية قتلت على مقربه من الاهرامات .  
و ياخذ الفيلم بتتبع حياتها التي قادتها من العيش في مدينة كبيرة كالقاهرة، وتدرجت بعملها في ظروف تجلب الشبهة واستقرت ماديا لتكون امرأة مجتمع شهيرة تملك مالا وفيرا, وتكون نهايتها في جريمة قتل يحيط الغموض فيها، تأخذ الشرطة في اجراء تحقيقات موسعة مع معارفها وكل من له علاقة بها, و تشير الصحفيه التي تقوم بتغطية هذه الجريمة بادراج وجهة نظرها في الاسباب الكامنة وراء مقتلها، ولكن زميلها الصحفي الاخر تكون له وجهات نظر اخرى ، و ما بين تحقيق الشرطه وتوقعات الصحفي المسكون بهاجس الهم الانساني في خضم الحرب التي يعيشها داخل مجتمعه، ينفعل بالعدوان الاسرائيلي و طائراته التي نسمع دوي اصواتها على شريط الفيلم, و التي تتلازم مع حروب اخرى في العالم، هناك مثلا اشاره الى الحرب في فيتنام, على حين يكون هدف زميلته الصحفية التي يعيش معها قصة حب, البحث عن الاثارة في الاخبار, ومتابعة الحالة، وحوادث الناس في المجتمع مثال القتيلة، ومن بين هذه الاحداث جميعا هناك الفيلم الذي تسري احداثه داخل الفيلم يبدو فيه المخرج ذاته مدكورثابت يطل علي المشاهد بين الحين والاخر وهو يرسل تعليماته الى ممثليه وطلبه المتكرر منهم في ابراز وجهات نظرهم بالحدث و التعليق عليه، اضافة الى ضحكاته المتكرره مع طاقم الفنيين في العمل.
 ذهب ثابت بعمله هذا بعيدا عما هو معهود ومالوف بالسينما المصريه, وسابقا لاقرانه انذاك في تيار جماعة السينما الجديده الذي انطلقت بشائره بعد عامين من سنة انتاج العمل العام 1971، عبر بيانهم الشهير, وقدمو من خلاله الفيلمين الطويلين «اغنيه على الممر « لعلي عبدالخالق، و»ظلال على الجانب الاخر» لغالب شعث،  بيد ان ثابت اثر ان يسير في منحى طليعي اخر وهو المتعارف عليه بالمنهج التجريبي في السينما، وفيه يتكيء على نص ادبي - قصه قصيره تفيض واقعيه على غرار اعمال نجيب محفوظ المتعارف عليها - وكانت النتيجه فيلما نادرا يتسم بنضج الرؤيا ونفاذ البصيره بالالهام الابداعي، و القدره على استشراف التقدم التقني والفني لطاقة السينما مستقبلا وامتلاكها مقومات البقاء على خريطة السينما المصريه والعربيه والعالمية .

دراما مختلفة
بشكل عام فتن الفيلم المتلقي بمجموعة تلك العلاقات الانسانيه التي تدور في خضم احداث جسيمه مضطربه، حين كان نص السيناريو ينسج دراما مختلفة, مستخدما بفنية عالية المستوى اسلوب العودة الى الماضي « الفلاش باك» عبر تداع نفسي حر, لايلتزم بالتتابع التاريخي للشخصية، بل يعني بابراز مراحل التطور والتغيير في حياة الفتاة، مفسرا ومعللا لسلوكها ومبينا للدوافع التي حدت بها الى البحث عن اسهل الطرق الى الخلاص, دون ادراك انه سعي محموم نحو النهايه المأساوية، التى انتهت اليها وتتبدى مهارة المخرج ورؤيته الذكيه في اختيار شكل الفيلم في قطع سرد احداثه الدرامية بهيئة المخرج نفسه وتدخله مع ممثليه وحثهم على التعليق على مسار احداثه و رسمه الدقيق لكل شخصيه يتداخل فيها بشكل جدلي خلاق وتأثر بطليه في تأثر كل منهما بالاخر.
بسلاسة ناشئة عن خبره ذات مراس طويل، مزج مدكور ثابت بين التسجيلي والروائي بحس الاستاذ امام تلاميذه، وهو يكسر خط الفيلم الدرامي, ويقدم صورا لشوارع وساحات القاهرة ومعالمها الرئيسية بلقطات وثائقية سريعة ذات دلالات قوية عن الاسباب الكامنة وراء مقتل الفتاة، بحيث جاءت هذه اللقطات بمشاهدها الواقعيه والتاريخيه كتجذير للاسباب التي ادت الى النتائج التي جرى التعبير عنها باصوات وضحكات هستيرية يؤديها محمود المليجي في نهايه العمل ومعه لائحة اعتذارية من مخرج الفيلم الى الجمهور عن أي ازعاج سببه لهم في متابعة مجرى الاحداث .

الخيال والواقع
فعلى الرغم ان المخرج ثابت كان يقدم تجربته الاولى في اخراج فيلمه الروائي الاول بعد عدة محاولات في السينما التسجيلية، لكن عمله في «صورة»، تميز بالنضج و الابتكار الفني الخلاق , ونجح في مزج الخيالي بالواقعي, والروائي بالوثائقي, وان يجعل من عمله ايقونة سينمائية تجريبية خالصة تأخذ المشاهد الى فضاءات ابداعية شديدة الابتكار والمتعة بهذا النوع من الاسلوبيه الفنية، ولا شك ان فيلم» صوره» لمدكور ثابت يعيد عشاق السينما بصوره او بأخرى الى قامات سينمائية رفيعه عرفتها فتوحات السينما الاوروبية في حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن الفائت, مثل اشتغالات السينمائيين: المجري ميكالوش يانشو, واليوغسلافي دوسان مكاييف, والايطالي فيدريكو فيلليني ,.. انه باختصار فيلم يتميز بالجرأه و الانفتاح على مفردات التعبير السينمائي، مثلما يفجر الخيال والمعرفة بوظيفة اللغة البصرية والدرامية للفيلم، وفوق هذا كله ان العمل يحتفي بالصورة والصوت والاداء والاحساس بالدفء والبهجة، تتداعى فيها الذكريات المليئة بالمعاني والدلالات تتألق فيها اللوحات التشكيلية والتعبير بالجسد والصورة الفوتغرافية وتكويناتها الرائعة سواء من على صفحات الصحيفة او تلك القادمة من اعماق المشهد، وكل يسري بوعي واقتدار يستعير فيه مخرجه كثيرا من المنهج البريختى في التجريب وتحرره من قيود السرد الحكائي التقليدي, في قفزته الى افاق الصورة الرحبة.