د. عميش يوسف عميش

ولد أبو الفرج بن موفق الدين يعقوب بن اسحق بن القف المسيحي الملكي الكركي وهذا هو اسمه المعروف والمدون في كل كتب التاريخ في مدينة الكرك العام 630 للهجرة/ 1232 ميلادي. وكان والده كاتبا في ديوان الملك الناصر بصرفند. ثم انتقل إلى الديوان السامي في دمشق. ولقد رأى والده أن يدرس ابنه الطب، ففعل ودرسه بتعمق. وانتقل مع والده إلى دمشق حيث درس الفلسفة أيضا على يد العالم شمس الدين عبد الحميد بن عيسى الخسروشاهي، ثم تنقل مع والده بين الكرك وصرفند ودمشق. ثم خدم في قلعة عجلون لعدة سنوات، حيث كان يعالج المرضى في عيادة متكاملة، وتوفاه الله العام 658 للهجرة/ 1286 ميلادي. لقد كتب ابن القف كتاب ''الشافي في الطب''، وكتاب شرح الكليات من كتاب القانون لابن سينا في ست مجلدات وكتاب ''حفظ الصحة''، وكتاب ''العمدة في صناعة الجراحة''، وكتاب ''جامع الفرص''، وكتاب ''شرح الفصول لأبقراط''. أما كتابه المهم ''العمدة في صناعة الجراحة'' فهو لا يزال ضمن موجودات المخطوطات في متحف باريس والمتحف البريطاني. لقد أبدع ابن القف في الجراحة، عندما نتذكر أنه مارسها في القرن الثاني عشر(قبل أكثر من 750 عاما)؛ فقد وضع أسس الجراحة في كتابه ''العمدة في صناعة الجراحة'' ليجعله مرجعا للجراحين، لأنه كان أول كتاب مرجعي للجراحة. ويتألف الكتاب من عشرين فصلا: العشرة الأوائل نظرية والثانية عملية. ويذكر فيها الأمراض الجراحية وطرق المعالجة والأدوية التي يحتاجها الجراح. وكان ابن القف أول من ابتكر طريقة لطهور الأطفال لم يسبقها إليه أحد، إذ اعتمد على طريقة استخدام جسم اسطواني يشد على الجلد ويقطعه. كما ابتكر علاجا للخوانيق لشق الحنجرة، إذا حصل ورم في الحلق أو المريء وتعذر دخول الهواء البارد إلى حجرة القلب، فقد كان يمد الحلق بسنارة ثم يشقه حتى تظهر العروق والشرايين، ثم يشق الغشائين والغضاريف، ثم يجمع شقتي الجلد ويخطهما، وتداوى بما يجعلها تلحم. أما في حالة احتباس البول، فقد كان يستخدم ''القاثاطير''، وهي آلة مجوفة دقتها بقدر تجويف القضيب، وطولها بطوله ولها في أحد طرفيها تجويف بصورة السكرجة الصغيرة، وهي من فضة أو ذهب أو نحاس. كما يشرح ابن القف الطرق المناسبة التي مارسها لاستئصال اللوزتين وزوائد الأنف. كذلك يصف كيفية استخراج الجنين الميت والمشيمة المحتبسة، وذلك من دون تخدير، بالاضافة الى اجراءات ونهج جراحية متقدمة بالنسبة لعصره. المهم أن ابن القف في زمنه خرج عن تأثير مفهوم ابقراط على ممارسة الجراحين، حيث أن الجراح آنذاك لم يكن يتدخل إلا في الحالات التي أثبتت تجارب من سبقوه وأنها تساعده مثل: التنظيم الغذائي أو الجراحة أو الادوية الملطفة والفصد. لكن ابن القف أدهش العالم قبل 750 عاما بأساليب وطرق لم يستخدمها جراحون من قبله ولا في وقته من حيث التقنيات العالية بالنسبة لتلك الحقبة من الزمن. لقد كان القرن الثالث الميلادي (السابع هجري) حقبة العلم الكبير في سوريادأ الكبرى، حيث أسس نور الدين وصلاح الدين الأيوبي المعاهد، فازدهرت الدولة الأيوبية في مصر وفلسطين وبلاد الشام، حيث تم إنشاء المستشفيات ومدارس الطب، وحظي العلماء بالتشجيع والدعم مهما كانت أصولهم وأديانهم. وكانت هذه الفترة المزدهرة تمثل في تقدمها واهميتها حقبة العباسيين الأوائل. لقد سبق ابن القف الكركي عصره في ابتكاره أساليب جراحية حديثة وغير مسبوقة. وكان الجراح العربي الأول من الذين خلدهم التاريخ واعترف المؤرخون والكثير من العلماء العرب والاجانب بفضله على علم الجراحة ومساهماته التقنية ودروه المميز في مجال الطب لخدمة الإنسانية. علينا أن نتذكر علماء العرب الذين ساهموا في نشوء وتطور العلوم الطبية في عصر الحضارة العربية الإسلامية، وأن نفتخر بهم ونمجدهم ونحذو حذوهم.