هزاع البراري - كانت الأحداث الجسام تتأهب للقدوم ، فالقرن التاسع عشر يعبر من جهة المجهول ، مبشراً بما لايسر الأرض ولا يريح الأمة، فمدينة يافا التي ولدت من بحر وصخر وحضارة ، كانت البوابة الشاهدة على عبور الغزاة، واندحار فترات كانت ثقيلة، فأنجبت جراحاً غائرة دائمة النزف ، هكذا كانت بواكير المرحلة الصعبة ، ووسط هذا الأفق الملبّد بالأجواء الداكنة ، ولد محمد أديب العامري سنة 1907م، في مدينة البحر والبر يافا ، فنثر سنوات طفولته بين حاراتها وأزقتها العاقبة بالتاريخ وأغاني الصيادين. لقد نشأ يتيماً ، غير أن جده أولاه الرعاية ، وتكفل بالإنفاق عليه، متيحاً له فرصة تلقي العلم في مدارس يافا ، فكان تلميذاً نجيباً محباً للعلم ومتلهفا لتلقي المعرفة .(سليمان الموسى).


ولعل لطفولته في يافا المفتوحة على العالم بفضل البحر ، بالإضافة إلى اليتم أثرا في شخصيته ، ومهدا الطريق لنمو موهبته الأدبية فيما بعد ، فلم يكد ينهي دراسته الثانوية ، حتى حصل على فرصة ذهبية لم تتح للكثير في تلك الفترة ، فقد مكّنه جدّه من الدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، التي تعتبر صرحا علميا ومساحة للالتقاء بشباب العرب المتعطش للمعرفة، والذي يسعى لبناء الحلم القومي العربي ، بإعتباره الحصن الذي سيحمي العرب اذا ما إدلهم الخطب ، وتكاتفت علينا الأمم ، وكان العامري القادم من فلسطين ليس ببعيد عن كل هذه التحولات ، فسارع للإشتراك في مؤتمر الطلبة العرب عام 1925م والذي عقد في بيروت ، وكان من مؤسسي نادي الطلبة في يافا، من أجل الإحتجاج على الهجرة اليهودية ، وتوعية الناس بمخاطر بيع الأراضي لليهود . وفي العام 1929م تخرج محمد أديب العامري من الجامعة حاصلاً على بكالوريوس في العلوم ، لكنه تخرج أيضاً بوعي سياسي ووطني كبير ، فقد كان عضواً في جمعية «العروة الوثقى» وفي إتحاد الطلبة» ، وأصبح رئيساً للنادي الفلسطيني عام 1927م ، ورغم نشاطه السياسي الملحوظ في الجامعة إلا أنه لم ينتسب إلى حزب سياسي بعينه.
في أعقاب الأحداث التي عرفت بإسم «ثورة البراق» ، قامت قوات الإنتداب البريطانية باعتقالات للمشاركين شملت العامري، الذي تمكّن من اللجوء الى الأردن ، وكان ذلك عام 1929م ، وأعتبرت هذه الخطوة حاسمة في حياته، رغم تعلقه بوطنه ومسقط رأسه فلسطين ، فلقد منح الأردن كامل ولائه وإنتمائه ، وكان مخلصاً ، لم يبخل بجهـده أو بعلمه، ولا حتى بسنوات عمره ، فلقد بدأ حياته العملية في مدرسة السلط الثانوية ، و تفوّق في عمله حتى عيّن مديراً للمدرسة التي خرّجت في عهده عدداً من رجالات الأردن، الذين تسلموا أرفع المناصب . وبعد ذلك أصبح مفتشاً للعلوم في وزارة المعارف حتى العام 1943م ، عندما إستقال وإلتحق بالإذاعة الفلسطينية في القسم العربي ، وخلال وجوده في القدس حصل على دبلوم الحقوق من المعهد الفلسطيني ، وعند إزدياد المعارك في القدس تسلّم مهام مدير الإذاعة حيث لم يتمكن المدير الفعلي من الالتحاق بالإذاعة ، ومن ثم عينته الحكومة الأردنية مديراً رسمياً للإذاعة في رام الله ، ونظراً لثقة الحكومة فيه عينته أيضاً ممثلاً لها في لجنـة الهدنة المشتركة .(لمرجع السابق)
شغل العامري عدة مناصب ، فمن سكرتير لوزارة الخارجية أصبح مديراً لدائرة الإستيراد والتصدير ، فوكيلاً لوزارة المعارف وكذلك وزارة الإنشاء والتعمير، وتم تكلفه بتأسيس ديوان الموظفين عام 1955م، وكان برتبة وزير دولة . وبعد أحداث العراق عام 1958م جرت عدة إعتقالات لمنتسبي أحزاب متعاطفة مع الإنقلابيين ، وقد شمل ذلك العامري الذي لم يكن منتسباً رسمياً لأي حزب ، وبعد مدة أفرج عنه ، ففتح مكتباً للمحاماة ومارس هذه المهنة أربع سنوات . وفي عهد حكومة وصفي التل عيّن مديراً لشركة الدباغة عام 1961م ، وفي العام 1965م أصبح رئيساً لديوان المحاسبة . وعندما شكّل الحكومة سعد جمعة في أعقاب حرب حزيران ، دخل العامري الحكومة وزيراً للخارجية ، وترأّس الوفد الأردني في الجمعية العامة للأمم المتحدة ، واستمر في تحمل المسؤولية في حكومة بهجت التلهوني حيث عيّن وزيراً للتربية والتعليم ، ليصبح بعد ذلك سفيراً للأردن في جمهورية مصر العربية.
في العام 1968م دعي إلى عمان ليعيّن وزيراً للثقافة والإعلام والسياحة والآثار في حكومة التلهوني الثانية ، وفي حكومة عبد المنعم الرفاعي بعد ذلك ، لكنه استقال من الوزارة مسدلاً الستارة عن العمل في الحكومة دام أربعين عاماً، حتى أنه إعتذر عن عدم قبول دعوة وصفي التل له للدخول ضمن تشكيلة حكومته بسبب الإضطرابات في المنطقة.
عرف العامري أديباً وصاحب تجربة كتابية وإبداعية ، ونشر أولى كتاباته في عمر مبكر ، ورغم قلة كتاباته إلاّ أن كتبه امتازت بقيمتها الأدبية والعلمية العالية ، وقد نشر مقالاته وقصصه في عدد كبير من الصحف والمجلات منها «الصراط المستقيم «و « الجامعة العربية « و» الفجر» ، وبعد ذلك نشر في « السياسة الاسبوعية « و « الرسالة « و « الثقافة « و» المقتطف « و « الأديب» وجريدة « الدفاع» . وأصدر العامري كتاب «عائلات النبـات الشهيرة « سنة 1967م ، وفي الترجمة أصدر « الحياة والشباب « سنة 1967م ، وفي التاريخ أصدر « القدس العربية « 1971 و «عروبة فلسطين في التاريخ « 1974م ، أما في الأدب فله مجموعة قصصية بعنوان « شعاع النور» صدرت عام 1953م.
كان محمد أديب العامري من مؤسسي رابطة الكتاب الأردنيين عام 1974م، وانتخب رئيساً لها أكثر من مرة ، وخلال توليه رئاسة الرابطة تلقى دعوة لزيارة تشيكوسلوفاكيا لتوقيع اتفاقية تعاون ثقافي ، فسافر رغم تردده ، وخلال وجوده في «براغ» أصيب بنوبة قلبية نقل على إثرها إلى المستشفى ، لكن سرعان ما فارقته الروح يوم 15 كانون أول عام 1978م ، ونقل جثمانه إلى عمان حيث وري الثرى في مقبرة سحاب . فرحل الذي نذر حياته للعمل والإخلاص من مولده وحتى وفاته ، فكان علماً من أعلام الأردن في السياسة والأدب ورجلا من الرجال الرجال.

hbarari54@hotmail.com