ملك يوسف التل - هل يمكن العثورعلى سياسي أردني واحد لديه الجرأة أو المزاج أو قدرة التحكّم بلسانه بحيث يكتفي بالحديث «بعيداً عن السياسة»وفي هذا الوقت بالذات؟ نقصد في فصل «الربيع العربي « الذي أصبح فيه كل شيء سياسة، وسياسة تعوم في فائض الشك ونكهات الريبة ومحفزات رفع الصوت.
 في السنوات الماضية وحتى فترة غير بعيدة ،كان الحديث «بعيداً عن السياسة «مغرياً وممتعاً للسياسيين المحترفين. فما يعرفونه ويجهله الشارع، هو أكثر بكثير مما يودّون الخوض فيه. الآن تغير الوضع واختلطت بعض الاشارات الحمراء بالصفراء بالخضراء.. حديث السياسي «بعيداً فعلاً عن السياسة» بات وكأنه تهمة بالغياب عن الصورة أو انعدام الموقف أو شبهة بجفاف الذاكرة .
ذوات سبق وتحدثوا «بعيداً عن السياسة « وكانوا ممتعين في سردهم الهادئ، اختلفت نبرة الكثيرين منهم هذه المرّة. حديثهم أضحى أكثر إثارة بالمواقف وأثرى بالتفاصيل التي وإن كان عمرها أكثر من خمسين سنة إلا أنها تأتي موصولة بالذي نراه الآن ويفاجئنا .
الحكي «هذه المرة « له ميزة أخرى. فهو يكشف أن العديد من رجالات الدولة الذين لم نكن نرى منهم سوى صفحة التجهم واليباس، هم بعد التقاعد أصحاب بديهة رائقة وتسعفهم النكتة عندما تحرجهم الأسئلة.



أخذنا من السيدة ميّ أبو السمن وعداً بأن لا تتأخّر في توثيق ذاكرة الوالد الشيخ حمدي توفيق أبو السمن، من زاوية أنها ذاكرة تختزن التاريخ الاجتماعي غير المكتوب للسلط في القرن العشرين الذي كانت فيه السلط (وما زالت) حاضرة وخميرة الحياة السياسية والاجتماعية، وقبلها الاقتصادية، للبلد. ثم إن الشيخ حمدي أبو السمن واحد من أبرز ثقات القضاء العشائري عندما كان هذا القضاء يشكل بنك المعلومات المدنية غير المكتوبة للمجتمع.
وفور أن تنجز أم عمر توثيق ذاكرة الوالد، فسنحاول أن نأخذ منها وعداً آخر بأن تسجل هي التي نعتقد أنه يوثق للتاريخ التربوي والإداري، والسياسي أيضاً، للأردن في العقود الأربعة الماضية التي تولت فيها مسؤوليات قيادية في قطاعات التعليم والعمل المدني، ثم السياسي الذي شغلت فيه عضوية مجلس الملك.
ميّ أبو السمن، أمين عام تجمع لجان المرأة، سلطية وتعتز بذلك لكنها غير متعصبة. أفقها الثقافي والسياسي أرحب من أن يحشرها في زاوية صغيرة. دراستها أكاديمية جمعت بين اللغة العربية ثم ماجستير التربية . نشأت في بيت جاه متفتح لا يميز بين البنت والصبي، وتربت على استقلال الشخصية وقوة الحضور والمشاركة. عاشت في معظم مدن المملكة وهي تتنقل بكنف الوالد ضمن مسؤولياته الوظيفية في الدولة. رافقت الزوج في إقامة غير قصيرة بالولايات المتحدة. ومن كل ذلك امتلكت عقلية أول عناوينها احترام الرأي الآخر، دون أن يقلل ذلك من قدرتها على التشخيص الموضوعي الواضح وأحياناً القاسي. ولذلك فهي كرائدة للدفاع عن حقوق المرأة لا تتردد في انتقاد نواب البرلمان من النساء اللواتي ما أن يصلن المجلس حتى يقطعن علاقاتهن بالتجمعات النسائية.
ميّ أبو السمن تفضل أن نتمهل في الانتقال إلى مرحلة الحكومات البرلمانية إلى حين تعديل قانون الانتخاب الحالي الذي عارضته وهي مؤمنة بأن الصوت الواحد مقتل للديمقراطية. وتشعر أم عمر بالسعادة لكون المرأة الأردنية لم تشكل لنفسها قائمة انتخابية خاصة بالنساء على مستوى الوطن. عارضت هذه الفكرة قبل عدة أسابيع وتأكد لها الآن أنها كانت محقّة. فلو تشكلت مثل تلك الكتلة لكانت لقيت ردوداً اجتماعية سلبية حتى من المتنورين لأننا «مجتمع ذكوري حتى على مستوى القرارات القيادية» التي ترى في منح المرأة بعض المناصب القيادية نوعا من الاستعراض بالمساواة امام العالم.
سألنا ميّ أبو السمن في العديد من القضايا الخلافية والتي تتفاوت فيها المواقف السياسية والأمزجة الشخصية.. عن الربيع العربي والاخوان المسلمين والكوتا النسائية وولع السلطيين بالمنسف على شرط ان يكون الجميد كركيا.



أما وقد وصل عدد القوائم الوطنية إلى هذا الرقم الكبير الذي يقول البعض انه سيؤثر سلباً على المشهد الانتخابي بالتشتيت والتكسير فهل تشعرين أنك كنت صائبة عندما عارضت الدعوات التي رفعت من أجل ان يكون للمراة قائمتها الكاملة المنفصلة؟
 هو عمليا مشهد انتخابي ملتبس ومحيّر، ربما لأنها المرة الأولى التي يجري فيها اعتماد وتجريب القائمة الوطنية.
فبعد أن رأيت العدد قد وصل إلى الرقم 61 سعدت بأن المرأة لم تخرج بقائمة منفردة، لأسباب عدة. كثرة القوائم تدل على عدم المعرفة بطبيعة الترشح على مستوى الوطن. كنت اتمنى أن يكون هناك 7-8 قوائم على الأكثر، وبالتالي يكون أمام المواطن الأردني الخيار بأن يختار هذه النخبة من أبناء الوطن بدقة وتمعن، وأن يكون قراره صائبا في الاختيار. لكن امام هذه الأعداد الهائلة التي وصلت الى ما يقارب 896 شخصا، وبقوائم احياناً شكلية، فانني أعتقد ان هذا لن يصب في مصلحة العملية الانتخابية، ولا في مصلحة المواطن الذي يفترض ان يختار عن دقة وحكمة ويكون قراره صائبا.
 تخيلي لو ان قائمة نسائية بالكامل تشكلت وسجلت.. ما الذي كنا سنشهده في حيثيات مرحلة الدعاية الانتخابية ؟ وما هي فرصة تلك القائمة لو كانت تشكلت؟
في ظل الظروف الحالية، وفي ظل الواقع الذي نعيشه والمجتمع الذكوري الذي نشهده، وفي ظل التنشئة الاجتماعية التي نلحظها ونكرسها في عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا، والثقافة السائدة والمبنية على المجتمع الذكوري، أعتقد أنه لو تشكلت قائمة ومن أفضل النساء فلن يخترق هذا الفوج امرأة أو اثنتان . أنا ضد ان تشكل قوائم من النساء، مع أن لدي قناعة بأن لدينا في هذا الوطن أعدادا كبيرة من النساء الكفؤات المتميزات والقادرات على أن يكنّ عضوات فعالات في مجلس النواب. لكن الآن لا نريد ان نقوم بالفصل ما بين المرأة والرجل ونتشدد بأننا قائمة نساء، لمعرفتي بأن هذه ستحدث ردة الفعل السلبية تجاه هذه القائمة أكثر من الإيجابية.. حتى من المتنورين والعقلاء.
رغم ما وصلت إليه المرأة الأردنية لكنك تؤكدين بأننا ما زلنا مجتمعا ذكوريا؟
نعم، مجتمع ذكوري في كل أبعاده، حتى عند صاحب القرار. فلنأخذ المواقع القيادية المتوسطة ونقارن ونتأكد. من وجهة نظري فانه قد تكون هناك نساء أعيان ووزيرات أو برلمانيات لكن في الحقيقة لا يكون هذا التماس الحقيقي مع القاعدة حتى يحدثوا التغيير في النساء بالمحافظات في القاعدة الشعبية ويكون لهن أثر بحيث يكنّ نماذج يقتدى بها. فطبيعة عمل الوزيرة تكون بعيدة عن القاعدة الشعبية، والأعيان يكونون في تخصص ما. ربما هناك بعض النساء يصلن من منظمات نسائية، وبحكم هذا العمل يكون هناك تواصل. لذلك للأسف، فأنه حتى عند المتنورين يستبعدون النساء. على مستوى القيادات المتوسطة، في وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة هناك 62% من الطبيبات الكفؤات، لكن إذا أخذنا النسب القيادية لا يوجد هناك 1% من النساء بوظيفة مديرات في الصحة والتربية. قد تعين مديرة شكلياً ليقال بأن وزير التربية لديه قناعة ومساواة وعدالة وديمقراطية. لكن هذا كله شكلي، حتى اختيار الكوتا، مع أنها خطوة أؤيدها لكنها لا تحدث أي تغيير نسعى إليه.
ربما يفهم البعض من هذا القول أن المرأة لم تثبت جدارتها في المراكز القيادية التي تولتها وزيرة ونائباً وعيناً؟
بالعكس، بعض الوزيرات تركن آثارا طيبة وملموسة، ونعتبرهن نماذج تحتذى. منهن السيدتان ليلى شرف وإنعام المفتي.. نعتز بهما. لكن الجيل الثاني وهن حديثات العهد لم يمكثن طويلا.. فعمر الوزارة القصير يقصر الأداء لبعض النساء، فلا يوجد وزيرة تعود لوزارتها باستثناء سهير العلي التي أعتبر انها أثبتت كفاءة وجدارة بحكم عملها المتواصل. اشعر في أعماقي ان تعيين المرأة في منصب مساوية للرجل انما هو لدينا من نوع الاستعراض ليقال أمام العالم والرأي العام أن المرأة الأردنية وصلت الى ما وصل اليه الرجل.
هل للتجمع موقف مؤسسي من قانون الانتخاب ذي الصوتين؟ هل تتوقعين تعديل القانون في مجلس النواب القادم للخروج من مأزق التخندق الذي تعيشه الحياة السياسية الأردنية ؟
 التجمع بالأصل هو جمعيات بحكم قانون الجمعيات, لذلك محرم علينا الدخول في السياسة، ليس لنا علاقة في السياسة ولا في دعم الانتخابات ولا في دعم المرشحات. لكننا كمنظمة نسائية نسعى لدعم النساء بطرح رأينا في قانون الانتخاب، وقد يكون هذا بشكل رسمي أو غير رسمي. واذكر عندما كنت في لجنة الحوار انني أبديت وجهة نظري وكنت مع المؤيدين لأكثر من صوت، لأنه خلال جولاتنا في كافة المحافظات كان المقتل للانتخابات هو الصوت الواحد. كنت ضد القائمة المغلقة، التي سيكون فيها الخيار للأول والثاني قصراً وليس اختياراً، بينما في القائمة المفتوحة أختار من أشاء، وكم تمنيت زيادة عدد مقاعد النساء أكثر من 15 مقعدا لأنه في هذا العدد لا تخرج النائب القوية.
الآن وقد اتضحت صورة المرشحين للانتخابات، قوائم وطنية ودوائر محلية.. كم بتقديرك سيرتفع حضور المرأة في المجلس القادم فوق حصة الكوتا؟
لقد قرأت القوائم بدقة. قبل أيام كنت في زيارة لإحدى المرشحات، وإذا حالفها الحظ فهي من السيدات القويات و ستكون على التنافس وليس من ضمن الكوتا. المشكلة أن العدد كما ذكرت 15 وان زاد لن يصل إلى أكثر من 18، إذا حالف الحظ بعض السيدات على رأس قائمة، وبعضهن في التنافس، فان زيادة واحدة أو اثنتين، يعتبر إنجازاً.
بالمناسبة، هناك من يقول ان تجربة المرأة في الكوتا وفي البرلمان لم تكن مرضية لها وللآخرين. أنت ما تقييمك الموضوعي لتلك التجربة؟
لم أكن في البداية من مؤيدي الكوتا. كنت ضدها لمعرفتي بأنها تضعف نضال المرأة في المنظمات النسوية. لكن بعد فترة طويلة تغيرت قناعتي. من عام 1989 ونحن نحارب ونخوض انتخابات. نساء كفؤات خضنا الانتخابات فلم تصل أي إمرأة، فوجدت أن الكوتا طريق تعبر منه المرأة من النفق المظلم لعل وعسى. كنت أعتقد بأنها مرحلة وحسب لأننا إذا اعتمدنا على الكوتا فستكون دائماً الخيار الضعيف لنا، وهذا الضعف لا يصب في مصلحة الكوتا ولا النساء. هناك بعض الأخوات أثبتن جدارتهن. ففي المجلس السادس عشر كانت هناك سبع نساء من تجمع لجان المرأة، وقد دعمناهن بقوة، لكن للأسف بعد ان تصل المرأة تقطع التواصل والصلة بينها وبين المنظمات النسوية أو جماعتها فوراً. وما نأمله من الأخوات القادمات للبرلمان أن يبقى هذا التواصل لأنه يصب في مصلحة النائب ومصلحة المنظمة، لذلك نفكر الآن بعمل مكتب استشاري للفائزات حتى تكون هناك صلة وتواصل فيما بيننا تصب في مصلحة الجميع.
ومتى بتقديرك تحقق الكوتا أهدافها الانتقالية بتأهيل المرأة من جهة وبتعويد الرجل ان يرى ويرضى المراة وهي تتحمل مسؤليات التشريع والرقابة في البرلمان كمواطن وليس كامرأة؟
إذا كان لنا الخيار فاننا كمنظمات نسوية ومؤسسات مجتمع مدني قادرون أن نطرح سيدات نؤمن بكفاءتهن وقدرتهن وتميزهن، نساء من رحم العمل العام، لديهن القدرة على قراءة المشهد السياسي، قادرات على مناقشة القوانين ومعرفة ما هو القانون. يجب أن يكون لنا القدرة كمنظمات نسوية أن ندفع هذه الفئة من النساء للكوتا بالإضافة إلى التمويل، فالتمويل عامل مهم وأساسي في دعم النساء كونهن كما نعلم أقل حظاً في القوة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية.

في الحلقة القادمة .. مي ابو السمن والاخوان المسلمين.