د. عصام سليمان الموسى - قبل نصف قرن بالتمام والكمال، يوم 25/12/1962، فتحت الجامعة الأردنية ذراعيها لاستقبال طلبتها من الجيل الأول. خمسون عاما انقضت من عمرنا، لكن ذكرى اليوم الأول، يوم سرنا تلك الطرقات وتحلقنا نترقب فتح باب القاعة الرئيسة، ما يزال نديا اخضر يخفق مع دقات الوريد. ورغم ان المرء لا يتذكر التفاصيل الدقيقة، إلا ان الخطوة الأولى، وما تبقى من عبقها، يستحق ان يروى.
 هناك نقوش على الذاكرة كثيرة لا تمحي: هناك نقش لثلة من أساتذة كبار ارسوا دعائم الجامعة، وعلمونا مواجهة صروف الدهر؛ وهناك نقش زملاء أعزاء تزاملوا أربع سنوات اريج ذكرهم وصداقتهم ما يزال عابقا ؛ وهناك نقش زملاء رحلوا عن هذه الدنيا لكن صدى فرحهم ما يزال يبرعم مع زنابق الحقول التي افترشنا أرضها البكر قبل ان تبرعم مكانها كليات ضخمة...
 وهذه الذكريات أكتبها لجيل قادم قد لا يجد فيها الا صفحة من تاريخ انقضى لا تعنيه، لكن ما يجب انه يعرفه ابن هذا الوطن ان أحداث تلك السنة المفصلية، رغم مرور نصف قرن، كانت ميلاد يوم مشرق في تاريخ الأردنيين: ميلاد الجامعة الأم الحاضنة لآلاف درسوا فيها، وان تلك الأيام الأولى ما تزال مشعة في قلوبنا نحن الذين خضنا تجربة الميلاد كاملة.
والتحقنا بها...
كان عددنا في الفوج الأول 167 طالبا من بينهم 17 طالبة، قدمنا جميعا من أرجاء الأردن بضفتيه، الشرقية والغربية، لنلتقي في رحاب الجامعة الأردنية. كنا نحن الفوج الأول من خريجي التوجيهي الأردني. وكانت هدية ذلك العام لنا جامعة صنع قرار افتتاحها على خلفية ترحيل طلبة أردنيين من جامعاتهم العربية حيث كانوا يدرسون فيها. وهكذا ولد القرار الشجاع، وصار مقدرا على بعض أبناء هذا الفوج ان يصبحوا أيضا الفوج الأول الذي يتخرج بعد اربع سنوات من الجامعة الأردنية. وكنت منهم.

من بيرزيت الى عمان
 بعد ان أنهيت دراستي الثانوية في مدرسة رغدان الثانوية في عمان، واجتزت التوجيهي الذي قدم في الأردن لأول مرة، وكنت جلست لامتحاناته في كلية الشريعة في جبل اللويبدة ، التحقت بكلية بيرزيت ( قبل ان تتحول الى جامعة لاحقا) لدراسة (الإدارة العامة) مبعوثا نهاية عام 1962 . كانت بيرزيت قرية وادعة تمثل الريف الفلسطيني أجمل تمثيل. وكانت الدراسة باللغة الانجليزية. لكني والحق يقال وجدت مادة (الإدارة العامة) التي اوفدت لدراستها جافة لم استسغها. لأجل ذلك رحبت بالدعوة التي وجهها لي والدي ، رحمه الله، للانتقال الى الجامعة الأردنية التي فتحت أبوابها بعد شهرين من التحاقي ببير زيت، وفي ظروف استثنائية، متأخرة أكثر من شهرين عن مثيلاتها، لاستقبال اول فوج لها.

بداية الدراسة
 بدأت الدراسة في 25/12/1962- بحسب الدكتور موسى جبريل الأستاذ المشارك حاليا في كلية التربية في الجامعة الأردنية. وموسى صديق العمر التقت دربانا في مدرسة رغدان الثانوية عام 1959 في الأول ثانوي- العاشر حاليا، واستمرت صداقتنا حتى يومنا هذا. وحين عزمت على كتابة هذا المقال منذ بضعة أشهر، جلسنا معا واستعدنا ذكريات ذلك اليوم.

اليوم الأول
 في اليوم الأول للدراسة، وقد صادف عيد الميلاد المجيد ، تجمعنا أمام المبنى الرئيس في مستنبت الجبيهة، هذا المبنى الذي كان أحد اثنين أقيما لكلية تدرس الزراعة، قبل ان يصبحا نواة الجامعة الأردنية.
 في الساحة الصغيرة التقى أصدقاء قدامى، وكان هناك غرباء جدد كثر، من الجنسين. وسرعان ما ذاب الجمود أمام حرارة اللقاء والتوقعات، رغم لسعات برد كانون الأول.
 عند الساعة التاسعة او العاشرة، دق سمير اللفتاوي، آذن الجامعة، جرسا كان يحمله بيده، معلنا بدء الدراسة. فتح الباب لنا، ودخلنا القاعة في الطابق الأول من المبنى المؤلف من ثلاثة أدوار، وجلسنا على كراسي الدراسة الخشبية ، وجلست الطالبات في الصف الأمامي وحافظن على موقعهن هذا حتى نهاية السنة الدراسية في كافة صفوف الدراسة .

 المحاضرة الأولى
 رحب بنا الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد رئيس الجامعة بطلته المهيبة، وألقى كلمة رفيعة بليغة . زال التوتر، وبدأت المحاضرة الأولى للدكتور فاخر عاقل في علم النفس. وكان الدكتور فاخر، وهو سوري من جامعة دمشق أصلا، يعمل في منظمة(اليونسيف )الدولية في عمان، بالإضافة الى الجامعة.
في السنة الأولى تم توزيع الطلبة على شعبتين هما أ و ب. وهكذا قسمنا الى قسمين لكل الصفوف في كافة المواد، و كان عدد الطلبة في الشعبة الواحدة حوالي (85) طالبا وطالبة.

 المحاضرون
 كانت الدراسة عامة في السنة الأولى يدرس فيها الطالب كافة المواد، على ان يتم التخصص في السنة الثانية. وبدأت الدراسة على يد أربعة أساتذة متفرغين، هم: الدكتور ناصر الدين الأسد رئيس الجامعة، والدكتور عبد الكريم غرايبة، والدكتور فاخر عاقل، والدكتور هاشم ياغي. اما بقية الأساتذة فكانوا غير متفرغين.

 نظام التدريس
 كان نظام التعليم سنويا، تحدد فيه المواد الدراسية من الجامعة. وكنا نداوم ستة أيام في الأسبوع ونعطل يوم الجمعة فقط، ونأخذ اجازة صيفية لمدة ثلاثة شهور. كانت الإجازة فترة راحة وعمل وثقافة نقرأ فيها ما يزيد معارفنا. وكان بعضنا يعمل فيها ويوفر نقودا ليصرف على نفسه وكتبه. كان القسط نصف السنوي 12 دينارا. ولم يكن نظام الساعات المعتمدة معمولا به بعد. كان التعليم في ذلك الوقت فيه تشدد، وكانت العلامة تعطى بمقدار. وكان يسمح للطالب الذي يرسب في مادة او اثنتين ان يكمل بهما، على ان يقدمهما في نهاية الصيف مع مطلع العام الدراسي الذي يليه.
 درسنا على يد الدكتور عبد الكريم غرايبة مادة التاريخ العربي الحديث، وكان له فيها كتاب، ودرسنا على يد الدكتور هاشم ياغي المعلقات . كما ودرسنا على يد الدكتور ناصر الدين الأسد تاريخ الأدب وقرأنا في كتابه (مصادر الشعر الجاهلي).
 أما اللغة الأنجليزية فدرسناها على يد الأستاذين بيلي (من المكتب الثقافي البريطاني)، و شل (من مكتب المعلومات الأمريكي). من مفارقات العام الأول اننا اكتشفنا مع نهاية العام ان بيلي، البريطاني، كان يتقن العربية، وأنه ترجم مسرحية لتوفيق الحكيم للانجليزية، ودرسنا على يديه تاريخ الأدب البريطاني، وقرر علينا رواية (جين اير) المشهورة لشارولت برونتي. أما شل فدرسنا اللغة الانجليزية وكان جديا، غضب مرة وقال انه حضر للأردن من مكان يبعد عشرة آلاف كيلومتر «كي أعلمكم».

 الأساتذة العرب
 ومن سوريا، اضافة للدكتور فاخر عاقل، درسنا د. عمر الحكيم مادة الجغرافيا في كتاب من تأليفه. و د. عادل العوا مادة الفلسفة في كتاب من تأليفه ايضا عن (الكلام والفلسفة). و الدكتور علي شلش من العراق (جغرافيا سكانية) في الفصل الثاني.
 من اقوال الدكتور فاخر التي ما زلت اذكرها، ان المدخن المدمن يجب ان يتوقف عن التدخين كل شهر ثلاثة أيام ليثبت لنفسه انه قوي الإرادة. وسأله احد الطلبة مرة، بحسب الصديق خالد بزاري، عن علامة (الوحام) التي قد تظهر على الطفل الوليد، فقال جملة مشهورة تندر الطلبة بها زمنا، ونصها:» انها لعمري إشاعة أطلقتها امرأة حامل لتحصل على ما تشتهيه».

 غضبة الأسد
 ما زلت اذكر غضبة الدكتور ناصر الدين الأسد حين اكتشف القائمون على المكتبة ان احد الطلبة قد مزع ورقة من موسوعة في المكتبة. لم تكن هناك الآت تصوير، ويبدو ان الزميل استسهل قص الورقة، بدل نسخها، ودسها بين أوراقه ظنا منه ان أمره لن يكتشف. لكن ما حدث كان العكس تماما: ففي محاضرة الأدب العربي، جاء الرئيس الدكتور ناصر الدين ينتفض غضبا. وبخنا بشدة، وشدد على ضرورة الحفاظ على الكتب. يومها ردد الطلبة بيت شعر للمتنبي:
إذا رَأيْتَ نُيُوب اللّيْثِ بارِزَةً
فَلا تَظُنّنّ أنّ اللّيْثَ يَبْتَسِمُ
الرحلة اليومية الى الجامعة
 كنا نركب باصات صويلح بلونها الأزرق السماوي المميز ، تنطلق بنا من موقفها في مجمع باصات العبدلي، تسير متثاقلة فوق طريق ضيق بمسرب واحد، كطرق تلك الأيام، حتى تصل مدخل الجامعة في الجبيهة. كان الباص يشق طريقه خارجا من عمان عبر الحقول الزراعية وصولا الى الجامعة . وعلى جانبي الطريق لم تكن هناك بنايات او عمائر مما نشهده اليوم . كانت أجرة الباص قرشا ونصف ثم صارت قرشين للرحلة الواحدة ندفعها لكونترول الباص ، وهو شاب عبادي من وادي السير.

مباني الجامعة
 حين نغادر الباص كنا ندخل حرم الجامعة من بوابة صغيرة ونسير في شارع ضيق رملي غرست أشجار السرو الباسقة حوله من الجانبين، حتى نصل المبنيين الوحيدين اللذين تحولا الى مباني الجامعة: المبنى الأول بطبقاته الثلاث: الطابق الأول تحول الى قاعة للمحاضرات تتسع لنا كلنا، نجلس على كراسي خشبية لها ركاية نكتب فوقها. والطابق الثاني يضم مكتبة الجامعة، اما الثالث فقسم الى مكاتب للهيئة التدريسية. اما المبنى الثاني الذي يبعد مسافة قصيرة الى الشمال فخصص لرئاسة الجامعة، عرين الأسد، ورفاقه الإداريين الذين أشادوا وبنوا.

النظام الإداري
بالإضافة الى هيئة التدريس، كانت الهيئة الإدارية في السنة الأولى تتألف من: الأمين العام للجامعة الأستاذ عبد الحميد ياسين، ومدير التسجيل السيد حسن النابلسي ومسجل الجامعة السيد احمد العسعس، وامين المكتبة السيد حسن الأخرس، وكنا نستعير الكتب من موظف المكتبة السيد صالح القدومي. وكان بعض هؤلاء السادة معارا من وزارة التربية. وكان للرئيس سكرتيرة واحدة ، الآنسة لوريس، انضمت لاحقا لها الآنسة جنفييف. وكانت ممرضة الجامعة الآنسة نهلة وعامل الهاتف السيد فهد.
كلية الإعلام- جامعة اليرموك- قسم الصحافة