د.محمد عبد الكريم الشوبكي - ان ثراء الأمم والمجتمعات لا يتأتى الا بثراء القوى البشرية لا بالثروات الطبيعية ولا بالأموال المكدسة , وهي عملية تتم عبر التخطيط والتنفيذ لتطوير قدرات أبناء المجتمع و تفعيل طاقاتهم , واستدامة نموها للارتقاء بمكانتهم .
فمستقبل المجتمعات يأتي من حاضرها , وفي هذا المجال يقول الفيلسوف الفرنسي « سارتر « ( أنا لا أؤمن بان هناك شيئاً يسمى المستقبل « فما نصنعه الآن هو الذي يحدد وضعيتنا في الأيام القادمة ( المستقبل ) .»
فالتعليم من أهم أدوات التكوين الإنساني لخوض معضلات المراحل المتتالية من العمر , فلا بد ان يكون على افضل نوعية وكيفية في زرع القيم والمهارات والإمكانيات , والنهج الفكري الخلاق والمبدع لإنتاج شخصية علمية بناءة و منافسة لهذا العالم الذي أصبحت صبغته التنافس , والنقد , والجودة , والإتقان فهو الأساس للوصول الى مرحلة من التحضر والتمدن .


 فمما لا شك فيه ان هناك تدهورا كبيرا في مؤسسات التعليم ومراكز البحث العلمي في المجتمعات العربية بسبب سيطرة السياسية على هذه المراكز , مما غيب عنها كثيرا من مفهوم عالمية المعرفة التي لا تمس بعادات وتقاليد المجتمعات كما حصل في اليابان بعد عام 1945( حيث بقيت عادات وتقاليد المجتمع الياباني كما هي ) , وهذا ما أقصى إنسان مجتمعاتنا عن عالمية المعرفة والإبداع لا علاقة له بالعصرنة المعرفية ومجال البحث العلمي سواء كانت تكنولوجية او اجتماعية .

 وريث ( عهد التلقين )
 .. لازال التعليم في المجتمعات العربية متخلفاً في أعلى مستوياته , ومؤسساته نسبة الى الدول المتقدمة ذلك لأنه وريث ( عهد التلقين ) أي ( النقل من المدرسين ) والاستقبال ( من التلاميذ ) منذ اكثر من ثمانية قرون . وذلك مغايراً للتعليم في الدول المتقدمة سواءً كانت أمريكا او الدول الأوروبية و اليابان والصين و بعض دول شرق أسيا فلا منهج للتلقين ( معلم يلقن معلومات وطالب يستمع ويحفظ ثم يستفرغها على أرواق الامتحانات ) بل النقد والتقصي والبحث والحوار .
ومن المأخذ السلبية على التعليم في مجتمعاتنا انه لا يغير في شخصية الطالب بكافة درجاته العلمية الا الشيء البسيط , اذ انه لا يعدو سوى قشرة خارجية سرعان ما تذوب وتنقشع في ابسط عراقيل وتحديات الحياة اليومية , ذلك ان النمط التعليمي في هذه المجتمعات لم يجبل هذه الشخصية ( فكرا و سلوكا و عاطفة ) منذ الصغر وحتى مرحلة عمرية متقدمة بالصبغة العلمية , فهو كالثوب يخلع ويلبس حسب الأهواء والظروف الحياتية .
 فالتعليم المتقدم والسليم هو ذلك الناجم عن زرع روح البحث و التقصي , و روح المشاركة الجماعية للطلبة , والحوار , وتبادل الآراء , والبعد عن الشخصنة , فهم يقضون جُل وقتهم في المكتبات او عبر البحث الالكتروني في المواقع العلمية , أنهم يقّسمون من قبل الإدارة المدرسية الى فرق بحثية وبهذه الطريقة تتجذر في شخصيتهم العقلية البحثية العلمية التي هي أصل التقدم والتطوير العلمي على مستوى العلوم الإنسانية والتكنولوجية .
=المعرفة والانفتاح المعرفي مطلب إنساني
وفي هكذا وضعية تترسخ روح العمل كفريق , وتنمو روح المشاركة الجماعية الايجابية لا أهمية للعرق والدين او الجنس ( لان المعرفة والانفتاح المعرفي مطلب إنساني في التطور ) , واحترام التعددية , فلا شخصنة و احتكار للأفكار والآراء , فتنزرع روح قبول وجهات نظر الأخرين , والحوار البناء وبالتالي تشيع روح السماحة , واحترام الأخرين , وقبول النقد بسعة رحب من اجل مشروع البحث عن الحقيقة , وبذلك ( تتشكل الشخصية العلمية البحثية التسامحية النقدية عالمية المعرفة ) و التي تمثل أقصى درجات المواطنة والانتماء والتطور العلمي , كل ذلك نقيض التلقين الهادر للفكر السائد في مجتمعاتنا الذي يبدد روح المشاركة و العمل كفريق , ويزرع الأنانية , ويجمد العقل و يصلب التفكير , ورفض الانفتاح المعرفي مما يؤدي الى الانحطاط والتخلف .

الغثيان العقلي
ومن المؤسف ان التعليم في كافة درجاته في الدول النامية يعتمد على الكم والحجم ( Size And Quantity ) للمادة الدراسية و ليس على النوعية (Qualitiy ) المراد زرعها في عقول الطلبة فهي ليست الا( حشوة ) ذات عبئ عقلي ونفسي نستطيع تسميتها ( بالتخمة الذهنية او العقلية ) عسيرة الهضم ( تحفظ أو تختزن ) وتسبب ( الغثيان العقلي ) وتزول أثارها بمجرد استفراغها على أوراق الامتحانات لذلك فهي معطل للعقل والتفكير والبحث وتنمية الشخصية العلمية الخلاقة المبدعة , وقاتلة لنمو الشخصية المتمدنة المحاورة القابلة لأراء الأخرين والتي تثبط ايضا الانتماء والمشاركة الجماعية .
وتخلو برامج التعليم في المجتمع العربي من ( قيم النقد والتساؤل والبحث والنقد الذاتي ) وتطغي عليها روح ( القطعية و الجواب الواحد الثابت اليقيني ) , وهذا ما يشكل حجرا على العقل والتفكير الصحي السليم لان عصر الجواب الواحد والقطعية واليقين قد ولّى بلا رجعة في الدول المتقدمة منذ قرون عديدة , فكل ما يسمى ب ( حقيقة ) يبقى تحت التجربة والمسألة والنقد , وهكذا تنموا وتتقدم العلوم , فما ان تظهر نظرية الا وقد تغيرت بعد زمن ما .

سلبي التأثير على الشخصية
وبهذه الطريقة العقيمة فان التعليم في المجتمعات العربية، يعد سلبي التأثير على الشخصية , والعقلية , مبعداً الانسان عن مفاهيم المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية , وذلك عبر تجميد العقل وافتقاد القدرة على النقد , والتقصي وقبول التعددية , والمشاركة , والتسامح , والحوار .
ومن الناحية الاخرى فان مناهج التعليم يجب ان تصب جل أهدافها في تقليل الى الحد الأدنى من الشخصنة او الفردية في التميز الفكري , وذلك من خلال التركيز على الموضوعية والحقيقة كنظام لا أفراد , لأننا لسنا بحاجة الى إفراز أفرادا ذوي ثقافة شخصية متميزة , بل إنتاج ثقافة نظام متميز وذلك بعداً عن تركيز مناخ ( السلف والخلف ) أي العودة الى القدوة والإتباع ( عهد التلقين ) الذي جمد العقول والتفكر والتفكير والذي لا زلنا نعيشه منذ ثمانية قرون حينما أوقف ( باب الاجتهاد ) عندما نبذ ( ابن رشد ) الذي تميز بدعوته الى التفكير العقلاني والنهج الموضوعي ومحاربة عهد التلقين السائد آنذاك , وتبنت آراءه أوروبا في عصرها المظلم آنذاك وحصل ما حصل من الثورات الفكرية والتقدم العلمي التكنولوجي وفي العلوم الإنسانية .

إنتاج العقل الناقد
وعليه فان المؤسسات التعليمية العربية ان تركز على إنتاج ( العقل الناقد ) فهو الكافل الذي يمكننا من التقدم والتطور انه أقوى آليات البناء , فنقد المشاريع والخطط والبرامج والأفكار في جميع مراحلها سواء قبل او اثناء او بعد انجازها تضمن تقليل السلبيات وزيادة الايجابيات , فالنقد الموضوعي كالفاحص الآلي الذي لا يتوانى عن الفتك بأي فيروس وإعطاء الحصانة المنيعة للأفكار و المشاريع و الخطط , لان النقد الموضوعي يختلف في جوهره عن النقد الشخصي الذي يسود في كثير من المجتمعات والثقافات ومنها العربية باعتباره انتقاصا او اهانة او تبخيسا او حتى خيانة .
وعلى المؤسسات التعليمية العربية غرس روح عمل الفريق الجماعي بغض النظر عن العرق والدين والجنس , والبعد عن « الأنا « والقبول بقناعة وحب ان العمل مع الفريق مجرد أمر مساهم بنّاء , والابتعاد عن فيروس الفردية فلا ينسب النجاح لنفسه فقط وان يتقبل الفشل , وان الشكر للجماعة على الانجاز للجميع يعني شكراً شخصي له ,( لأننا من أجيال ثقافة الشخصنة والفردية ).
ففي المجتمعات الانعزالية ( التي لا تقبل بالتعددية ) لأنها تعيش بعيدا عن الديمقراطية فان إنسانها من الصعوبة عليه التفريق بين النقد الموضوعي , والنقد الذاتي , وكل ما ذكر سابقا لا يحصل الا من خلال التعليم منذ الصغر حتى تصبح المجتمعات ذات ثقافة متحضرة ويؤكد على ذلك الفيلسوف ( إيمانويل كانت ) بمقولته (ان النقد هو أهم أداة بناء صورها العقل الإنساني) .

مستشار الأمراض العصبية و الطب النفسي
www.dralshobaki.com