كتابة وتصوير: مفلح العدوان - سرنا إلى هناك.. جنوب مأدبا، حيث ينتظرنا طيف الدهشة، وسحر المكان، والتفاصيل التي طال البعد عنها، من كثرة ما سرقتنا تراكمات الواقع المعيش، وزخارف المدينة، والضجيج، والإسفلت، والإسمنت.
سرنا جنوب مأدبا، والمبتغى هو وادي الهيدان، وفي البال صورة للطبيعة بكل تلقائيتها، دون زيف، ولا أقنعة، صورة كما هي مرسومة في الذاكرة، إذ لا تأتي سيرة الهيدان، إلا ومعها شلالات الماء، والجبال، والأودية، وصيد الأسماك، والدروب الوعرة، والأعين التي تشتاق لأن تبقي على صفاء المشهد هناك، دون أي شوائب تعكر هذا النقاء.

دروب الجسر
كان معي في مسيرتي إلى الهيدان الصديق الصحفي أحمد طالب الشوابكة، وكانت زيارتنا هذه غير مخطط لها، جاءت عفو الخاطر، في حالة استلاب للطبيعة، ومحاولة لاكتشافها. مضينا في مغامرتنا الممتعة هذه، جنوب مادبا بنحو حوالي 30 كيلومترا، والهدف هو الوصول إلى الهيدان، غير أن القرى حولنا، أعرفها، والدرب اليها، مألوف لي من كثرة ما باحت لي هذه الأمكنة في غير زيارة، ورحلة لها، بمكنون التاريخ، والذاكرة فيها.
 ها أنا أصل جسر الوالة، وعن يساري هناك محطة الوالة الزراعية.. توقفت قليلا، وتأملت الوادي، والدرب المتجه جنوبا، والذي يفضي إلى الكرك، بينما هناك درب آخر، على مرمى التفاتة من مكاني، يتجه نحو الشرق، ويوصل إلى قرية الوالة، وهناك درب آخر كنا مررنا قربه، يتفرع عن الشارع الرئيس قبل مسافة قليلة ويؤدي إلى سد الوالة، لكنني الآن على جسر الوالة، وأريد أن أسلك الدرب غربا، حيث المرور من خلال نزهة الوالة إلى الهيدان.
الموقع
أتحرك من مكاني، وكأن للجسر عبر التاريخ دلالة الوصل إلى مبتغى التوق، فكان أن لوحت من بعيد لتلك الأمكنة المحتجبة غربا، وقلت لرفيقي: هو المسير الآن إلى الهيدان. وهز رأسه، ووافقني القرار وهو يبتسم، ويخبرني بأن الدرب صعب ووعر إلى تلك الجهة، والطريق ضيق، والمغامرة هي صفة المشوار إلى الهيدان، غير أن الشوق إلى ذلك المكان، جعلنا نتجاوز كل حذر، ونُصرّ على أن يكون البوح هذه المرة خالصا للهيدان، أو وادي الهيدان كما هو متفق عليه في كثير من المراجع والأحاديث الشفوية، والتاريخ الشعبي، لهذه المنطقة، التي يأتي ذكرها في سياق الكتابة عن وادي الوالة، أو الموجب، أو جنوب مأدبا. والهيدان أيضا، وفي سياق تحديدها جغرافيا، وإداريا، تقع فلكيا على خط الطول 35 درجة و 47 دقيقة شرقا، ودائرة العرض 31 درجة و33 دقيقة شمالا، وتتبع إلى قضاء مليح، في لواء ذيبان من محافظة مأدبا، وهي من ضمن مناطق بلدية لب وامليح.

الملاقي
أمشي في وادي الهيدان، طريق ضيق، ومتعرج، واد عن يميني، ومرتفع عن يساري، أسير على الدرب المعلق على الحافة، والمشرف على منحدر عميق، وهناك أرى؛ شلايا من الأغنام، رعاة، مياها، خضرة، وحياة برية على مد النظر، أسير وأنا أرى شيئا من جوانب جمال هذا الوادي وأتخيل دهشة جانب آخر يحتاج إلى أوقات أخرى، وأزمنة مختلفة للزيارة لتكون الإحاطة به كاملة: سمر، وقمر، وشلالات، وبرك، وحياة برية، وأنواع من الحيوانات تعيش هناك حيث الضباع، والأرانب، والثعالب، والطيور من شنير، وفري، وبط، تتوزع في البرك الصغيرة، والكثيرة، هناك.
هذا الوادي، وادي الهيدان، وإذ تكثر فيه المياه، فإنها تستمر عبره حتى الوصول إلى منطقة الملاقي، حيث تلتقي في هذا المكان، مياه وادي الهيدان، مع مياه وادي الموجب، لتقطع حوالي 35 كيلومترا، حتى الوصول إلى البحر الميت.

الوادي
وقد ذكر وادي الهيدان، بيركهارت حين كانت زيارته للمنطقة عام 1812م، في كتابه (رحلات في الديار المقدسة والنوبة والحجاز)، حيث قال: «..وينبع نهر الوالة على مسافة ثلاث ساعات تقريبا عن شرقي الموضع الذي اجتزته منه، ويتجه على مقربة من هذا الموضع للجنوب في تعرج إلى أن يدنو من وادي الموجب حيث ينحرف لجهة الغرب مرة أخرى. والقسم السفلي من النهر استبدل باسمه اسم سيل (الهيدان) الذي يصب في وادي الموجب على مسافة ساعتين تقريبا من البحر الميت بالقرب من مكان خرب يدعى دار الياشة..».
ويشير الباحث محمد نويران القعايدة في كتابه «تاريخ مأدبا وجوارها 1893-1946م»، أثناء حديثه عن تضاريس المنطقة، والأودية المنتشرة فيها، وبعد استعراضه للأودية الرئيسة في مأدبا وهي وادي زرقاء ماعين، ووادي الوالة، ووادي الموجب، ووادي عيون موسى، فيقول «هذا بالنسبة للأودية الرئيسية في منطقة مأدبا وجوارها، وهناك عدة أودية صغيرة في مأدبا منها وادي الحبيس الذي يربط مادبا في الجنوب بمنطقتي لب ومليح، ووادي حسبان الذي يقع في شمال حسبان على بعد 3 كم، ويصب في نهر الأردن، ووادي الجديدة والمصلوبية وعيون الذيب والهيدان ووادي الرشاح والمشنقة ووادي الشقيق».
ويرد ذكر وادي الهيدان، في كتاب «عام الجراد في مأدبا»، تحقيق وإعداد محمد رفيع، وهو تحقيق لمخطوط مكتمل كتبه سامح حجازي، حين كان قائم مقام لمادبا، وداهمها الجراد بشكل كبير في الفترة (شباط – حزيران/1930م)، حيث أنه في مقدمة المحقق الذي يقدم وصفا لطبيعة وجغرافية مأدبا، وقراها، والينابيع والجداول والسيول حولها، يشير إلى وادي الوالة والهيدان بقوله أنه «وادي الوالة: ويقع إلى الجنوب من مادبا، على بعد عشرين كيلو مترا، وقبل التقاء سيل الوالة بوادي الموجب يعرف هناك باسم وادي الهيدان..».

الطواحين
أتوقف أثناء المسير في الهيدان، عند مبنى قديم، تهدمت أجزاء كثيرة منه، أسأل عنه، فيشار الي أنه واحد من أبنية متعددة هي «طواحين البريزات»،وما أراه هو بقايا آثارها، وهي أبنية حجرية قديمة على جانب الوادي.
أفتح من هذه الإطلالة صفحة تفضي إلى سكان المكان، حيث أتوصل إلى آخر إحصاء رسمي لدائرة الإحصاءات العامة، بحسب «التعداد العام للسكان والمساكن 2004م»، والذي فيه توثيق بأن عدد سكان الهيدان 110 نسمات، منهم 66 ذكور، و44 إناث، يشكلون 25 أسرة، ويقيمون في 44 مسكنا، غير أنه، وبحسب ما أرى، فإن واقع الحال في الهيدان اختلف كثيرا منذ عام 2004م، حيث أن المنطقة هي في ملامحها العامة بيئة زراعية، وتحتوي على كثير من المزارع، وهي تعبير عن الحياة الريفية المتغيرة، ومالكو أرضها يحضرون اليها بشكل موسمي، حيث أن بعضهم هم بين مأدبا وبين الهيدان، ومثل هذه المناطق يتغير تعدادها السكاني في اطار الاقبال أو الابتعاد في سياق النشاط الزراعي، وتربية الأغنام.
أقلّب صفحة أخرى، فأقرأ ما كتبه فريدريك ج بيك في كتابه «تاريخ شرقي الأردن وقبائلها» إلى قسم من بني حميدة، أراضيه في الهيدان، حيث يشير في الكتاب أن كل من العجالين، والهاشم، والسلمان، والشبيلات، من فرق الفواضلة من بني حميدة منازلهم بالجبل (المقصود جبل بني حميدة)، ووادي الهيدان جنوبي مادبا.

عام الجراد
وقبل الخروج من بوح الهيدان، أقرأ في كتاب «عام الجراد في مأدبا»، ما كتبه سامح حجازي في يومياته تحت عنوان «جراد بني حميدة»، حيث يشير فيه إلى الهيدان، ويقول: «صباح الأحد (30 شباط 1930)كانت اعمال المكافحة حسنة في جهات الموجب وهكذا في جهات (الهيدان)؛ وقد كانت الأخبار عن الجراد أيضا مرعبة. لم أتمكن صباح هذا اليوم من مخابرة (عمان) رغم انتظاري في (ذيبان) حتى الظهر، ولذا اكتفيت أن ألفت نظر وكالة (القائم مقامية) لضرورة تعقيب قضية الجنود مع المراكز، ولاطلاع مدير المكافحة العام على الوضعية عند عودته (لعمان)؛ وتنبيهه بوجوب إيفاد من يتولى الأعمال في جهات الموجب وبني حميدة كما كان طلب مني قبل حركته لهذه الجهات. وثم تحركت عند الظهر لجهات (ذهيبة) و(الهيدان)؛ وكانت أعظم وأكثر بمواقع (الرنج، الصير، القلعمه) وضواحيها وبجهات اسفل (الواله-برزه)، ومن هناك بدأنا نشاهد مقادير عظيمة من الجراد، وكانت تتزايد كلما انحدرنا لجهات (الوالة) و (الهيدان)؛ وكانت أعظم وأكثر بمواقع (الرنج، الصير، القلعمة) وضواحيها وبجهات أسفل الوالة حيث تمتد من هناك (لوادي الهيدان) وشعابه. وقد دام سيرنا نحو (ثلاث) ساعات ونحن نرى الجراد يتكاثر ويظهر بمقادير هائلة؛ وقد أكد لنا الكثير من العربان وأهل الخبرة أن جراد هذه السنة في بني حميدة هو أضعاف جراد ا لسنة الماضية، وأن ما ورد في السنة الماضية لا يذكر بجانب جراد هذه السنة. بطريقي قابلت الجندي (سليم الشبار( الذي كان يشتغل بجهات (القلعمة) و (الرنج)؛ وقد أوصيته بضرورة البقاء في المركز المذكور، وبوجوب تشغيل عُربان (الشراونة) في ذاك الموقع وضواحيه؛ وبضرورة كشف أعالي (الواله) وإخبار مخفر(ذيبان) عن كل عن كل شىء؛ وثم واصلت سيري (للهيدان) لموقع (الحدب). وقد قضيت ليلتي لدى عرب (الحواتمة) حيث أعطيت لهم وللمأمور تعليمات كافية... (23-24 شباط 930).. قائم مقام مادبا».