شرق النهر، للحكاية نبض مجبول بأسرار معتقة، موغلة في القدم، وكأنها تريد أن تومض بالرسائل قبل أن تصرح بها مرة واحدة ذات زمن قادم.
شرق النهر، للصمت دلالة، كما أن للبوح مهابة تليق بجلال الأردن، نهرا، وأرضا، وتاريخا، وذاكرة، تشكل مخطوط رواية المكان، وعطاء الإنسان.
شرق النهر، هناك، كان لبوح القرى زيارات عدة في إطار الماء المقدس، حيث المغطس، والكفرين، والرامة، وغير مكان بمحاذاة النهر، وفي دائرة هالته المنيرة. تلك الإطلالة على المكان والإنسان والتاريخ والدين في هذه المساحة، فتحت طرقا ومواضيع، لا بد من الإشارة لها، ودراستها، والبحث فيها، ليكتمل البوح، وتكتمل المعلومة عن تلك الأمكنة، وفي هذا السياق، تأتي كتابتنا هذه حول المقدس الشعبي، في محيط نهر الأردن، وقريبا من المغطس، استكمالا لما كان من كتابة حول المغطس، كمكان تكرس عالميا، وتقدس تاريخيا، كموقع لتعميد المسيح عليه السلام، ولعل هذا الحضور المقدس، جعل هناك امتيازاً للمنطقة حوله، فتشكلت في غير مكان منها، مواقع أخذت صفة المهابة، وصار لها مكانة في الوجدان الشعبي، لأهل المنطقة، تجلت حالتها من خلال بعض القبور والأضرحة المباركة حينا، والمعروفة أحيانا أخرى، في الكفرين والرامة بحيث أخذت مساحة في الذاكرة الشعبية، وفي وجدان المجتمعات هناك.   
 
المحيط المكاني
إنها محاولة للإفادة من عملية الرصد، والبحث، الميداني المكاني، بتقديمه للباحثين والمختصين والمهتمين، وتحليل جزء منه، ليكون مادة أولية للزملاء الباحثين في الاجتماع، والأنثروبولوجي، والتاريخ، والأديان، وربما يفيد منها متخصصون في مجالات أخرى بحسب الزاوية التي ينظر منها لهذه الكتابة.
التركيز هنا على المحيط المكاني، للدائرة الضيقة حول المغطس، الواقع على الضفة الشرقية من نهر الأردن، غرب عمان بنحو 50 كيلومترا، ضمن منطقة الكفرين، في الأغوار الوسطى.
والكفرين هي المنطقة التي يتبع لها المغطس في الفترة الحاضرة، بحسب النظام الإداري، كما سيمتد رصد المقدس الشعبي هذا إلى منطقة الرامة، لقربها من المغطس، ولكثافة القبور والأضرحة التي كانت ذات زمن تشكل حضورا في الوجدان الشعبي هناك.
 
الدرويش الفارسي
هناك كتاب مهم للرائد الإنجليزي كوندر، هو «أعمال المساحة في شرق الأردن(1880م)» ، ترجمة وتعليق الدكتور أحمد عويدي العبادي، عمل على رصد مجموعة من تلك القبور والأضرحة، المجاورة لنهر الأردن، خلال وصفه للنهر، وللأمكنة والخرب حوله، هذا في نهاية القرن التاسع عشر، وقد كان جزء منها ما زال قائما، عند زيارتنا، في بوح القرى، لتلك الأمكنة، ولذا فإنه يمكن مقارنة الوصف المكاني، ولكن حال المجتمعات هناك بالتأكيد تغير، ولحقته تحولات كثيرة، مترافقة مع التغيرات التي طرأت للمحيط الأوسع في الأردن.  
تلك القبور التي يتتبعها الرائد كوندر في وصفه لنهر الأردن، وما جاوره، في عام 1880م، تفتح البوابة لتتبع ذاكرة المقدس الشعبي عند أهل المنطقة المجاورة لنهر الأردن، وتحديدا في الفضاء المكاني للنهر والمغطس، حيث أنه حاول مقاربة قبر عبد الله (قبر الدرويش الفارسي في المنطقة)، مع قبر النبي موسى عليه السلام، كما أنه أشار في ذات السياق إلى حرمة القبور، والمساس بها، عند أهل تلك الديار، واحترامها، حتى ولو كانت لأحد الأقطاب المنافسين، في تلك الفترة الزمنية، حيث تحدث عن ضريح فندي الفايز الذي دفن في أرض العدوان.
كما أنه حدد تبارك العربان بالدفن قريبا من الأولياء الصالحين، مع التشبه بقبورهم، وهي القبور الثلاثة للغنيمات التي بنيت على نمط قبر عبد الله. وهناك ما هو أهم من هذا هي صفة القداسة التي أعطاها قبر الخضر في الرامة، حيث سميت المنطقة حوله باسم المزار، وصار لها حرمة مقدسة، وأساطير ارتبطت بها.
 
ضريح الخضر
هذا المقدس الشعبي، بحاجة إلى مزيد من البحث، ولكن يمكن رصد بقية القبور التي تتصف بالقداسة عند مجتمع الكفرين والرامة، في جزء منه، من خلال ما رصده الرائد كوندر في كتابه «أعمال المساحة في شرق الأردن 1880م»، إضافة إلى بعض الشهادات الشفوية من أهل المنطقة.
وهنا في مقام البوح سيكون سرد يختلط فيه ما ورد في الكتب، والبحوث، والمراجع، مع ما تمت الإحاطة به، من رواية شفوية، حول بعض تلك القبور، والحكايات والأساطير التي ارتبطت بها، ولعل مفتتح هذا البوح المقدس سيكون بالضرورة من مهابة ذاكرة الخضر، وضريحه في الرامة، وهو محاط بقبور أخرى، مكانه بين التجمع السكني لأهل القرية، وهو عنوان القسم الثاني من الرامة التي تقسم إلى الشاغور والمزار، وضريح الخضر، يقع في المزار، والربط واضح بين دلالة اسم المكان (المزار)، ووجود هذا الضريح فيه.
وضريح الخضر هو اسم يطلق على ضريحين أحدهما على الحد الشمالي من مواقع التسوية (المساحة) وذلك بالقرب من ماحص، وهو محاط بغابة من شجر البلوط، وذلك إلى الشمال من عراق الأمير. أما الثاني فهو في وادي الأردن، بالقرب من قبر سعيد، إلى الشمال من تل الرامة، والضريحين يقعان في منطقة خصبة بشكل طبيعي.
ويذكر القرآن الكريم هذه الشخصية الخضر في معرض القصص التي لا علاقة لها بالتوراة، عند الحديث عن موسى عليه السلام الذي كان يبحث عنه (أي عن الخضر).
وتشير بعض الكتابات إلى أن «الخضر هو وزير ذي القرنين والذي هو الاسكندر الأسطوري، أو عمون الذي تسرب من نبع الخلود، ولا شك أن الرجل العجوز/الخضر، هو تجسيد للصفات البشرية في الخصوبة، كما هي ممثلة بالتعاقب في الصحراء باللون الأخضر. وبوجه عام فإن مقامات أضرحة الخضر موجودة في أماكن خصبة، كما أن اللون المقدس عند المسلمين وهو الأخضر مرتبط بالفكرة ذاتها، وقد يكون منبعه الأصلي نموذجا لأشور في بلاد ما بين النهرين الذي كان أشور جنبا إلى جنب مع عشتاروت معبودا عاما للعرب في بلاد العرب قبل الإٍسلام».
ومن خلال شهادة شفوية لبعض المقيمين قريبا من مقبرة الرامة التي يوجد فيها ضريح الخضر، في الرامة، في منطقة المزار، يشار إلى أن الخضر مبارك في معتقد أهل المنطقة، وكان «يحمي اللي يستجير بيه، وكانوا يدفنو السمن والجميد عنده، وما حدا يسرقها، ولا ياخذها، كان التجار يرمو مفاتيح حواصلهم(دكاكينهم) عنده، وما يخافوا عليها، وما حدا يقرب منها لأن  الخضر(تستور من خاطرو) كان يرعاها ببركاته»).
وفي سياق محورية شخصية الخضر، والاجماع القداسي عليه من الجانب الاسلامي والمسيحي، يكتب الدكتور احمد عويدي العبادي، في هامش توضيحي، في كتاب «أعمال المساحة في الأردن-1880م»، حول هذا التآلف، كما لاحظه في منطقته، ماحص، وفيها ضريح للخضر، حيث يقول في هذا السياق «الخضر شخصية ولي يرى الأردنيون أنه شرب ماء الحياة، ولم يمت، وأنه موجود في العالم حيا يرزق، لا نراه، وأنه مستجاب الدعاء، والطلب عند الله سبحانه وتعالى، وأنه عاصر الأنبياء منذ زمن سيدنا موسى عليه السلام، ويبقى إلى يوم الدين. ومن هنا أقاموا له الأضرحة في كل مكان، ومن أهمها ضريحه إلى الجنوب من ماحص من أراضي عشائر عباد في محافظة البلقاء بوسط الأردن، وهو شخصية مقدسة لدى المسلمين والنصارى معا، وهناك اتفاق ووئام بين أتباع الدينين من العبابيد المسلمين ومن حولهم في ماحص، وبين الفحيصية النصارى ومن حولهم بحيث لا يطغى أحد على الآخر ولا يعترضه، وهو مسجل في دائرة الأراضي باسم الطائفتين الاسلامية والمسيحية، ويزوره النصارى في عيد خاص به اسمه عيد الخضر يكون في شهر نيسان من كل عام ميلادي/ شمسي».
 
قبر داحس
 هناك، وفي ذات الإطار المكاني، وعلى مرمى التفاتة من ضريح الخضر، ذو الحضور الانساني العالمي، والعابر للديانات، يرى المتأمل قبرا له صبغة المهابة المحلية، والخصوصية المرتبطة بأهل المنطقة، وهو يتماهى مع معاني الفروسية، والإقدام، والنبل، وقد تم إيلاء هذا القبر مكانة خاصة لدى أهل المنطقة ذات زمن مضى، حيث «قبر داحس»، عنوانا مميزا يدفن بجواره الفرسان مثله، كما تشير إلى ذلك الرواية الشفوية هناك.
القصة الشعبية المتداولة حول قبر داحس، وكما يرويها الرجال الكبار من عشيرة العدوان في الرامة تقول بأن «هذا التل (المقصود تل الرامة)، خلال القرون الأخيرة، كان محل استقرار عشيرة العدوان، ولذا فهو يرتبط، أيضا، بأحد فرسان هذه العشيرة، واسمه «داحس»، وقد كانت له صولات وجولات، لذلك فإنه حين توفي دفن على التل، فصار قبره مثل مقام هناك، وبعدها دفن حوله فرسان آخرون، ثم تشكلت مقبرة على تل الرامة»).
 ويرد في كتاب أعمال المساحة في شرق الأردن أن «داحس يعني النشاز، وهو كذلك اسم يطلق على حصان مشهور في التاريخ العربي كان سباقه سببا في تقاتل قبيلتين عربيتين لمدة أربع وعشرين سنة، ولا نعرف ان كانت هذه القصة تنطبق على هذا الضريح أم لا، وهو قبر واضح، وبارز فوق تل الرامة»